تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 186

مساهمون:

ص١٨٦
وقد فطن علماء التربية والتهذيب في الأمم الراقية ، حتى كانت قيصرة روسيا ترضع أولادها وتحرم عليهم المراضع . فأين هذا مما نراه اليوم من التهاون في رضاعة الأولاد وسائر شؤونهم ، فقد رغب نساء الأغنياء عنها ترفعا وطمعا في بقاء الجمال وحفظ الصحة وسرعة الحمل ، وكل هذا مقاوم لسنة الفطرة ومفسد لتربية الأولاد . وقد كان للمسلمين من دينهم وازع أيما وازع ، فقد هداهم إلى ما فيه المصلحة في تربية الطفل وتهذيبه ، ولم نر دينا تعرّض لمحاسن تربية النشء ومساويها مثل ما تعرض له الدين الإسلامي ، فاللهم وفق المسلمين إلى الاهتداء بهديه ، والتحلي بآدابه . ويرى جمع من العلماء أنه يجمل بالأم أن ترضع ولا يجب عليها ذلك إلا إذا تعينت للإرضاع بأن كان الولد لا يقبل غير ثديها كما يشاهد ذلك من بعض الأطفال ، أو كان الأب عاجزا عن استئجار ظئر ترضعه ، أو كان قادرا ولم يجد من ترضع . وقوله كاملين تأكيد لذلك ؛ إذ قد جرت العادة أن يتسامح في مثل هذا فيقال : أقمت عند فلان حولين بمكان كذا ، ويكون قد أقام حولا وبعض الحول . والحكمة في تحديد هذه المدة في الرضاع العناية بشؤون الطفل ، فإن اللبن هو الغذاء الموافق له في هذه السن ، إلى أنه محتاج إلى شفقة وعناية تامة لا تتوافران عند غير الأم ، إلا إذا رأى الوالدان المصلحة في أقل من ذلك ، فهما اللذان يراعيان صحة الطفل فمن الولدان من يستغنى عن اللبن بالطعام اللطيف قبل تمام الحولين . وقد استنبط العلماء من هذه الآية ومن قوله :
« وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً »
أقل مدة الحمل ، فإنه إذا أسقطت مدة الرضاع من ثلاثين شهرا يكون الباقي ستة أشهر وهي أقل المدة . وقد روى هذا عن علي وابن عباس رضى اللّه عنهما .
( وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ )
أي وعلى الوالد كفاية المرضع من طعام وكسوة لتقوم بخدمته حق القيام ، وتحفظه من عاديات الأيام .
تفسير المراغي — صفحة 186 | أحمد مصطفى المراغي