تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 183

مساهمون:

ص١٨٣
وفي الآية دليل على أن المؤمن حقا لا بد أن يتعظ به ، فالذين لا يتعظون به ولا يعملون به فليسوا بمؤمنين ، بل هم يقولون آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ، لأنهم لم يتلقوا أصول الإيمان بالدليل ، فلم يقع من نفوسهم موقع التأثير في مسالك الوجدان ، فوعظهم عبث ضائع ، إذ هم لا يتبعون إلا أهواءهم ، ويقلدون ما وجدوا عليه آباءهم .
( ذلِكُمْ أَزْكى لَكُمْ وَأَطْهَرُ )
أي ذلكم النهى عن ترك العضل على الشرط الذي تقدم ، فيه بركة وصلاح لحال متبعيه ، وفيه طهر لأعراضهم وأنسابهم ، وحفظ لشرفهم وأحسابهم ، فكم كان عضل النساء مدعاة للفسوق ، مفسدة للأخلاق ، وسببا في اختلال نظم البيوت ، وشقاء الذرية . انظر إلى ولىّ يمنع من له الولاية عليها من الزواج بمن تحب ، ويزوجها بمن تكره ، اتباعا لهواه أو لعادات قومه ، كما كانت تفعل العرب من قبل ، أيرجى لمثل هذه صلاح أو أن تقيم حدود اللّه ، أم يخشى أن يغويها الشيطان بمن تحب ، ويمد لها حبل الغواية حتى لا تقف عند حد ؟ . ولجهل الناس بوجوه المصالح الاجتماعية كانوا لا يرون للنساء شأنا في إصلاح حال البيوت ولا فسادها ، حتى جاء الإسلام وعلمهم من ذلك ما هم في أشد الحاجة إليه من حسن معاملة النساء والرفق بهن ومعاملتهن بالحسنى
« وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ »
لكنّ المسلمين نسوا أوامر دينهم وساروا سيرة جاهلية مع نسائهم فكان لذلك أسوأ الأثر في فساد الأسر والبيوت جزاء وفاقا لتركهم عظات شريعتهم وتناسيهم أوامر دينهم .
( وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ )
أي واللّه يعلم ما لكم في ذلك من النفع والصلاح ، إذ هو العليم بوجوه الفائدة في هذه الأحكام ، والسر فيما به أمر ، وعنه نهي ، وأنتم لا تعلمون ذلك علما صحيحا خاليا من الأهواء والأوهام . فالبشر جميعا لم يهتدوا إلى هذه الأحكام مع اختبارهم وتجاربهم الطويلة ، بل عزبت حكمتها عن نفوس الكثيرين منهم ، بعد أن نزل بها الوحي ، وجاء بها الدين