تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 173

مساهمون:

ص١٧٣
( فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ )
الخطاب في مثل هذا للأمة لأنها متكافلة في المصالح العامة ، وأولو الأمر هم المطالبون أولا بالقيام بهذه المصالح ، والحكام وسائر الناس رقباء عليهم ، أي إذا خافا عدم إقامة حدود اللّه التي سنها للزوجين فلا إثم عليهما فيما تعطيه المرأة للرجل لتفتدى به نفسها وتطلق منه ، ولا على الرجل في أخذه لأجل ذلك ، لأنه برضاها واختيارها بدون إكراه منه ولا مضارة لها بل هي الحافزة عليه . روى البخاري وابن ماجة والنسائي عن ابن عباس أن جميلة أخت عبد اللّه بن أبيّ ابن سلول زوج ثابت بن قيس أتت النبي صلى اللّه عليه وسلم فقالت : يا رسول اللّه ثابت ابن قيس ما أعتب عليه في خلق ولا دين ، ولكن لا أطيقه بغضا وأكره الكفر في الإسلام ( تريد كفران نعمة العشير وخيانته ) قال : أتردّين عليه حديقته ؟ ( وكان قد أصدقها إياها ) قالت نعم : قال اقبل الحديقة وطلقها تطليقة . وهذا الفراق الذي يبنى على الافتداء يسمى خلعا وعدّته كعدة المطلقة . ثم ختم الآية بوعيد من يخالف هذه الأحكام فقال :
( تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوها )
أي هذه الأوامر والنواهي المتقدمة هي الحدود التي حدها اللّه في المعاملات الزوجية ، فلا تتجاوزوا ما أحله لكم إلى ما حرمه عليكم ، وما أمرتكم به إلى ما نهيتكم عنه .
( وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ )
الظلم وضع الشيء في غير موضعه ، وفعل ما لا ينبغي فعله ، والظلم مخرّب للعمران ، مبيد للأمم ، ولا سيما ظلم الأزواج للأزواج ، إذ الرابطة التي بينهما أمتن الروابط وأحكمها ، فأي رجاء في الأمة إذا انحلت فيها عرا تلك الرابطة ، وهي أشد الروابط تماسكا . وإنا لنشاهد الآن ما يدمى له القلب أسى وحسرة من انفصام روابط الزوجية بحال لم تعهد في أي عصر من عصور الإسلام ، إذ هتك النساء حجاب الصيانة والحياء ، وأسرفن في التبرّج والاختلاط بالرجال ، وكثر الطلاق ، وقلّ الزواج ، وعمت الشكوى