تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 146

مساهمون:

ص١٤٦
إلى تقييد الإنفاق ، ومن ثم سأل المسلمون ما ذا ينفقون ؟ فأجيبوا بأنهم ينفقون الفضل والزيادة على حاجة من يعولونهم . أخرج البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى ، وابدأ بمن تعول » و أخرج ابن خزيمة عنه أيضا أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال « خير الصدقة ما أبقت غنى ، واليد العليا خير من اليد السفلى ، وابدأ بمن تعول ، تقول المرأة : أنفق علىّ أو طلقني ، ويقول مملوكك : أنفق علىّ أو بعني ، ويقول ولدك : إلى من تكلني ؟ » . و أخرج ابن سعد عن جابر قال : قدم أبو الحصين السلمى بمثل بيضة الحمامة من الذهب ، فقال يا رسول اللّه : أصبت هذه من معدن فخذها فهي صدقة ، ما أملك غيرها ، فأعرض عنه ، ثم أتاه من قبل ركنه الأيمن فقال له مثل ذلك فأعرض عنه ، ثم أتاه من ركنه الأيسر فأعرض عنه ، ثم أتاه من خلفه فأخذها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فحذفه بها ، فلو أصابته لأوجعته أو لعقرته ، ثم قال : يأتي أحدكم بما يملك ، فيقول هذه صدقة ، ثم يقعد يتكفّف الناس ، خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى ، وابدأ بمن تعول . والحكمة في الجمع بين السؤال عن الخمر والميسر والسؤال عن الإنفاق في آية واحدة - الموازنة بين حال فريقين من الناس : فريق ينفق المال بغير حساب في الإثم تفاخرا ومباهاة فيما لا خير فيه ، أو لمجرد اللذة وإن ساءت العاقبة ، وفريق ينفقه في سبيل اللّه يزيل به ضرورة إخوانه ذوى الحاجة ، أو يرفع به شأن أمته بالإنفاق في مصالحها العامة وأعمال الخير فيها كالتعليم وإنشاء الملاجئ والمستشفيات . فالأمة التي يكون أفرادها مليون نسمة إذا بذلوا في مصالحها العامة كتربية النشء وإعداد القوة الحربية ونحو ذلك مما يرقى شؤونها - تكون أعز وأقوى من أمة عدّتها مائة مليون لا يبذلون شيئا من فضل أموالهم في مثل ذلك ، فكل امرئ من الأولى يكون كأمة ، لأن أمته عون له ، تعده جزءا منها ويعدها كلّا له ، والأمة الثانية كلها لا تعدّ بواحد ، لأن كل واحد منها يخذله الآخرون ، ويرى أن حياته بموته ، فيكون