تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 145

مساهمون:

ص١٤٥
بالكثير من اللاعبين إلى قتل أنفسهم أو الرضا بعيشة الذل والمهانة . وكم من أرباب الثراء ما زال الشيطان يغريه حتى فقد ثروته وعاش بقية حياته فقيرا معدما . ولبيوت القمار وسائل في استدراج الأغنياء وتخريب بيوتهم بأجابيلهم وشركهم التي ينصبونها . وقلما يقدر متعاطى الخمر والميسر على تركهما ، لأن للخمر تأثيرا في الأعصاب يدعو إلى شربها والإكثار منها ، وما تحدثه من التنبيه يعقبه الخمود والفتور ، فيشعر السكران بعد صحوه أنه مضطر إلى معاودة السكر ، فإذا هو عاد قويت الداعية إليه . وأما صاحب الميسر فإذا ربح طمع في المزيد ، وإذا خسر طمع في تعويض الخسارة وقصارى القول - إن اللّه قد هدانا لأن نبحث عن مضار الخمر والميسر بأنفسنا لنكون على بصيرة في تحريمهما ، وإنا لنرى الأمم التي لا تدين بالإسلام قد اهتدت إلى ما لم نهتد إليه من المضار ، فأنشأت تؤلف الجماعات للسعى في إبطال هاتين الجريمتين .
( وَيَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ )
أي أىّ جزء من أموالهم ينفقون ، وأىّ جزء منها يمسكون ، ليكونوا ممتثلين لقوله :
« وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ »
. وقد أطلق القرآن العفو والزيادة ليقدّره كل قوم بحسب عصرهم ، وما يليق بحالهم والمراد بهذا الإنفاق فيما زاد على الزكاة المفروضة من صدقات التطوع على الأفراد والمصالح العامة . وقد قضت الحكمة بمجيء الإنفاق مطلقا أول الإسلام ، وبمدح الإيثار على النفس ، لأن المسلمين كانوا فئة قليلة بين أمم وشعوب تناصبهم العداوة وتبذل في سبيل ذلك الأموال والأرواح ، فلا تستقيم لهم حال إذا لم يتّحدوا ويكونوا كرجل واحد ويجودوا بالمال لخدمة المصالح العامة . وتلك سنة اللّه في كل دين حين بدأ ظهوره ، حتى إذا ما اعتز وكثرت الأمة ، وصار يكفى لمرافقها العامة ما يبذله كل ذي غنى من ماله - اختلفت الحال ودعا الأمر