تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 111

مساهمون:

ص١١١
ولا سيما إذا كان الكاتبون فيها ممن تثق بهم الدهماء ، ويتقبل الجمهور آراءهم بالتسليم والاطمئنان .
( وَإِذا تَوَلَّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها )
أي إن مثل هؤلاء إذا أعرضوا عن مخاطبيهم وذهبوا لشأنهم ، فإن سعيهم يكون على ضد ما قالوا ، فهم يدّعون الصلاح والإصلاح ثم يسعون في الأرض بالفساد ، إذ لا همّ لهم إلا اللذات والحظوظ الدنيئة التي لأجلها يعادون أرباب الفضيلة ، ويكونون من ذوى اللدد والخصومة لهم ، لما بينهم من التناقض في السجايا والغرائز ، بل يعادون أمثالهم من المفسدين ، إذ من دأبهم الكيد للناس ومحاولة الإيقاع بهم . وقوله في الأرض يفيد العموم أي إنهم في أي مكان يحلون فيه يفسدون .
( وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ )
أي إنه دائب على إفساده مسترسل فيه ولو أدى إلى إهلاك الحرث والنسل ، وهكذا شأن المفسدين يؤذون إرضاء لشهواتهم ولو خربت الدنيا بأسرها . وفي ذلك عبرة للذين يقتلعون الزرع ويقتلون البهائم بالسم وغيره ، انتقاما ممن يكرهونهم ، فأين منهم هدى الإسلام وهدى القرآن . ويرى بعضهم أن المراد بالحرث النساء كما في قوله :
« نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ »
وبالنسل الأولاد ، فيكون المراد - إن المفسدين الذين يطمحون بأبصارهم إلى نساء الناس أو يسعون في إفساد نظام البيوت بما يلقونه من الفتن ويدأبون عليه من التفريق - لا تكاد تسلم بيوتهم من الخراب ، فهم يؤذون أنفسهم وأهليهم بضروب من الإيذاء قد يعميهم الغرور عنها ، أو عن كونها من سعيهم .
( وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ )
أي واللّه لا يرضى الفساد ولا يحبه ، فلا يحب المفسدين ، وفي الآية إيماء إلى أن تلك الصفات المحمودة في الظاهر لا تكون مرضية عند اللّه إلا إذا أصلح صاحبها عمله ، لأن اللّه لا ينظر إلى الصور والأقوال ، وإنما ينظر إلى القلوب والأعمال .
تفسير المراغي — صفحة 111 | أحمد مصطفى المراغي