تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 108

مساهمون:

ص١٠٨
تعجل وطلب الخروج من منى في تمام يومين بعد يوم النحر واكتفى برمى الجمار فيهما ولم يمكث حتى يرمى الجمار في اليوم الثالث ، فلا إثم عليه بهذا التعجيل ، إذ المطلوب أن يبيت بمنى الليلة الأولى والثانية من أيام التشريق ، ويرمى كل يوم بعد الزوال إحدى وعشرين حصاة ، عند كل جمرة سبع حصيات ( والجمرة جمعها جمار وجمرات وهي مجتمع الحصى ) ورميها من ذكريات المناسك المأثورة عن إبراهيم عليه السلام كذبح القرابين وعامة أعمال الحج . ومن لم ينفر حتى غربت شمس اليوم الثاني فعليه أن يبيت حتى يرمى اليوم الثالث قبل الزوال أو بعده ، ثم ينفر ولا إثم عليه بترك الترخيص . وهذا التخيير ونفى الإثم عن المستعجل والمتأخر ، إنما هو لمن اتقى اللّه وترك ما نهى عنه ، لأنه هو الحاج على الحقيقة ، فما الغرض من كل عبادة إلا التقوى كما قال :
« إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ »
. والوسيلة إلى ذلك ذكر اللّه بالقلب واللسان ومراقبته في جميع الأحوال حتى يكون عبدا له لا لأهوائه وشهواته .
( وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ )
أي واتقوا اللّه حين أدائكم مناسك الحج وفي جميع شئونكم واعلموا أنكم ستجمعون وتبعثون للجزاء على أعمالكم يوم القيامة ، والعاقبة حينئذ لمن اتقى كما قال تعالى :
« تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبادِنا مَنْ كانَ تَقِيًّا »
. ومن علم بأنه محاسب على أعماله مجازى عليها . كان ذلك باعثا له على العمل ، وداعيا له إلى ملازمة التقوى ، أما من كان على شك أو ظن فإنه يعمل تارة ويترك أخرى . وقد كرر الأمر بالذكر وبين منزلة التقوى ليشعرنا بأن المهم في العبادة هو ذكر اللّه الذي يصلح النفس ويوجه القلب إلى عمل الخير ، ويبعدها عن الشرور والمعاصي ، فيكون فاعلها من المتقين .