تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 88

مساهمون:

ص٨٨
إِلَّا إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ )
ولأن الملائكة لا يستكبرون ، وهو قد استكبر ، وهو قد خلق مما خلق منه الجن ، كما يدل عليه قوله تعالى حكاية عنه :
( أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ ) *
. ثانيهما : أنه كان من الملائكة ، لأن خطاب السجود كان مع الملائكة ، ولأن الظاهر من هذه الآية وأمثالها أنه منهم ، قال البغوي وهو الأصح ، وقال في التيسير : إن وصف الملائكة بأنهم لا يعصون اللّه ما أمرهم دليل على تصور العصيان منهم ، ولولا ذلك ما مدحوا به ، لكن طاعتهم طبع وعصيانهم تكلف ، وطاعة البشر تكلف ومتابعة الهوى منهم طبع ، ولا يستنكر من الملائكة تصوّر العصيان ، فقد ذكر عن هاروت وماروت ما ذكر ، وليس هناك دليل على أن بين الملائكة والجن فروقا جوهرية بها يمتاز أحدهما من الآخر ، بل هي فروق في الأوصاف فقط ، والجميع من عالم الغيب لا نعلم حقائقها ولا نضيف إليها شيئا إلا إذا ورد به نص عن المعصوم .
( أَبى وَاسْتَكْبَرَ )
أي امتنع عما أمر به من السجود ، وأظهر كبره وترفع عن الحق زعما منه أنه خير من الخليفة عنصرا ، وأزكى جوهرا كما قص ذلك عنه
( قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ ) *
فهو الأحق بالرئاسة .
( وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ )
أي وصار من الكافرين برفض الإذعان لأمر اللّه لزعمه أنه أفضل منه ، والأفضل لا يحسن أن يخضع لمن دونه .

[ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 35 إلى 37 ]

وَقُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْها رَغَداً حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ ( 35 ) فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها فَأَخْرَجَهُما مِمَّا كانا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ ( 36 ) فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ( 37 )