تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 87

مساهمون:

ص٨٧
وكلنا نشعر إذا هممنا بأمر فيه وجه للحق أو للخير ، ووجه للباطل أو للشر ، بأن في نفوسنا تنازعا وكأنّ الأمر قد عرض على مجلس للشّورى ، فواحد يقول افعل وآخر يقول لا تفعل حتى ينتصر أحد الطرفين على الآخر ، فهذا الذي أودع في نفوسنا ونسميه قوة وفكرا هو في الحقيقة معنى لا ندرك كنهه ، ولا يبعد أن نسميه أو نسمى سببه ملكا ، انتهى كلامه ملخصا . قال الأستاذ الإمام محمد عبده : فإذا جرينا على هذا التفسير فليس ببعيد أن تكون في الآية إشارة إلى أن اللّه لما خلق الأرض ودبّرها بما شاء من القوى الروحانية التي بها قوامها ، وجعل كل صنف من القوى مخصوصا بنوع من المخلوقات لا يتعداه ، خلق الإنسان وأعطاه قوة بها يتصرف في جميع القوى ويسخّرها في عمارة الأرض ، وهذا التسخير هو المعبر عنه بالسجود الذي يفيد معنى الخضوع ، وبهذه القوة التي لا حد لها جعله اللّه خليفة في أرضه ، لأنه أكمل الموجودات ، واستثنى من هذه القوى قوّة واحدة تميل بالكامل إلى النقص ، وتصده عن عمل الخير ، وتنازع الإنسان في صرف قواه إلى المنافع والمصالح التي تتم بها خلافته ، تلك القوة ضلّلت آثارها قوما فزعموا أن في العالم إلها يسمى إله الشر ، وما هي بإله ولكنها محنة إله لا يعلم أسرار حكمته إلا هو ، تلك القوة هي المعبر عنها بإبليس . ولو أن نفسا مالت إلى قبول هذا التأويل لم تجد في الدين ما يمنعها من ذلك ، والعمدة على اطمئنان القلب وركون النفس إلى ما أبصرت من الحق ، انتهى كلامه رحمه اللّه
( فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ )
أي سجد الملائكة جميعا إلا إبليس . وللعلماء في حقيقة إبليس رأيان : أحدهما أنه كان جنيّا واحدا بين أظهر الألوف من الملائكة مغمورا بهم متصفا بصفاتهم ، ودليل ذلك قوله تعالى :
( وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا
تفسير المراغي — صفحة 87 | أحمد مصطفى المراغي