تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 83

مساهمون:

ص٨٣
( ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ )
أي ثم أطلعهم على مجموعة تلك الأشياء اطلاعا إجماليا بالإلهام أو غيره مما يليق بحالهم ، وربما كان بعرض نماذج من كل نوع يتعرف منها أحوال البقية وأحكامها . والحكمة في التعليم والعرض تشريف آدم واصطفاؤه ، كيلا يكون للملائكة مفخرة عليه بعلومهم ومعارفهم ، وإظهار الأسرار والعلوم المكنونة في غيب علمه تعالى على لسان من يشاء من عباده .
( فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ )
أمر الملائكة بهذا الإنباء إظهارا لعجزهم عن معرفتها ، وإشارة إلى أن الخلافة في الكون والتصرف فيه وتدبير شؤونه وإقامة العدل فيه تكون بعد الوقوف على مراتب الاستعداد ومعرفة من يكون أهلا للخلافة .
( إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ )
أي إن كان هناك مجال للدهشة في كون الخليفة من البشر ، وفي أن ما اختلج في خواطركم من الشبهة أصاب الصواب ، وحلّ محله من القبول ، فأنبئونى بأسماء ما عرضته عليكم . وإنا لنسترشد بهذه الآية إلى أن المدّعى لشئ يطالب بالحجة والبرهان تأييدا لما ادّعى ، فالملائكة قد بحثوا عن سرّ الغيب فقرعوا بالعيان ، فكأنه قيل لهم : أنتم لا تعلمون أسرار ما تعاينون ، فكيف تتكلمون في أسرار ما لا تعاينون ؟ . وفي قوله ( هؤلاء ) إشارة إلى أنه سمى الأشياء التي وقع عليها حسه كالطيور والبهائم وأنواع الحيوان التي أمامه .
( قالُوا سُبْحانَكَ )
أي نقدسك عما لا يليق بك من قصور العلم فتخلق الخليفة عبثا خاليا من الحكمة والفائدة ، أو تسألنا عن شئ نفيده ، وأنت تعلم أن علمنا لا يحيط به ولا نقدر على الإنباء به . وكلمة ( سبحانك ) تقدّم في معرض التوبة كما قال موسى عليه السلام :
( سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ )
وقال يونس :
( سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ )
.