وخلاصة هذا - إن الملائكة تشوّفوا لمعرفة الحكمة في استخلاف ذلك المخلوق الذي من شأنه ما قالوا ، ومعرفة السر في تركهم وهم المجبولون على تسبيحه وتقديسه - فأعلمهم أنه أودع فيه من السر ما لم يودعه فيهم ، هذا مجمل ما جلى به الأستاذ الإمام محمد عبده رحمه اللّه هذا البحث حين تفسيره للآية ونقله عنه صاحب المنار في تفسيره .
الإيضاح
( وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً )
أي واذكر لقومك مقال ربك للملائكة : إني جاعل آدم خليفة عن نوع آخر كان في الأرض ، وانقرض بعد أن أفسد في الأرض وسفك الدماء وسيحل هو محله ، يرشد إلى ذلك قوله تعالى بعد ذكر إهلاك القرون
( ثُمَّ جَعَلْناكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ )
ومن ثمّ استنبط الملائكة سؤالهم بالقياس عليه ، وعلى هذا فليس آدم أوّل أصناف العقلاء من الحيوان في الأرض .
ويرى جمع من المفسرين أن المراد بالخلافة الخلافة عن اللّه في تنفيذ أوامره بين الناس ، ومن ثم اشتهر « الإنسان خليفة اللّه في الأرض » ويشهد له قوله تعالى :
( يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ )
.
وهذا الاستخلاف يشمل استخلاف بعض أفراد الإنسان على بعض ، بأن يوحى بشرائعه على ألسنة أناس منهم يصطفيهم ليكونوا خلفاء عنه ، واستخلاف هذا النوع على غيره من المخلوقات بما ميزه به من قوة العقل ، وإن كنا لا نعرف سرها ولا ندرك كنهها ، وهو بهذه القوة غير محدود الاستعداد ولا محدود العلم ، يتصرف في الكون تصرفا لا حدّ له ، فهو يبتدع ويفتنّ في المعدن والنبات ، وفي البرّ والبحر والهواء ، ويغيّر شكل الأرض فيجعل الماحل خصبا ، والحزن سهلا ، ويولّد بالتلقيح أزواجا من النبات لم تكن ، ويتصرّف في أنواع الحيوان كما شاء بضروب التوليد ، ويسخر كل ذلك لخدمته .