تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 220

مساهمون:

ص٢٢٠
( وَلَقَدِ اصْطَفَيْناهُ فِي الدُّنْيا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ )
أي ولقد اجتبيناه من بين خلقنا ، وجعلنا في ذريته أئمة يهدون بأمرنا ، وجعلناه في الآخرة من المشهود لهم بالخير والصلاح وإرشاد الناس للعمل بهذه الملة . ولا شكّ أن ملة هذا شأنها ، وبها كانت له المكانة عند ربه ، لا يرغب عنها إلا سفيه يعرض عن التأمل في ملكوت السماوات والأرض ، ورؤية الآثار الكونية والنفسية الدالة على وحدانية اللّه تعالى وعظيم قدرته . وفي الآية بشارة لإبراهيم بصلاح حاله في الآخرة وعدة له بذلك .
( إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ )
أي اصطفاه إذ دعاه إلى الإسلام بما أراه من الآيات ونصب له من الأدلة على وحدانيته ، فلبّى الدعوة .
( قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ )
أي قال أخلصت ديني للّه الذي فطر الخلق جميعا ، ونحو هذا قوله :
( إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ )
. وقد نشأ إبراهيم في قوم عبدة أصنام وكواكب ، فأنار اللّه بصيرته ، وألهمه الحق والصواب ، فأدرك أن للعالم ربّا واحدا يدبره ويتصرف في شؤونه وإليه مصيره ، وحاجّ قومه في ذلك وبهرهم بحجته فقال :
( أَ تُحاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدانِ وَلا أَخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ )
إلى آخر الآيات التي جاءت في سورة الأنعام .
( وَوَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ )
أي ووصّى بهذه الملة التي ذكرت في قوله :
( وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ )
إبراهيم أولاده ووصّى بها يعقوب من بعده أولاده أيضا ، قائلين لهم : إن اللّه اصطفى لكم دين الإسلام الذي لا يتقبل اللّه سواه .
( فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ )
أي فحافظوا على الإسلام للّه ولا تفارقوه برهة واحدة ، فربما تأتيكم مناياكم وأنتم على غير الدين الذي اصطفاه لكم ربكم .