( وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ )
أي صار حبّ العجل نافذا فيهم نفوذ الماء فيما يدخل فيه ، وقوله : بكفرهم ؛ أي إن سبب هذا الحب الشديد لعبادة العجل هو ما كانوا عليه من الوثنية في مصر ، فرسخ الكفر في قلوبهم بتمادي الأيام وورثه الخلف عن السلف .
( قُلْ بِئْسَما يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ )
أي قل توبيخا لليهود الحاضرين ، بعد أن علموا أحوال رؤسائهم السالفين الذين يقتدون بهم ، ويحتذون حذوهم في كل ما يأتون وما يذرون : إن كنتم مؤمنين بالتوراة حقا ، فبئس هذا الإيمان الذي يأمر بهذه الأعمال التي أنتم تفعلونها كعبادة العجل وقتل الأنبياء ونقض الميثاق ، فهذه دعوى لا تقبل منكم ، بل يجب القطع بعدم وجودها ، بدليل ما يصدر عنكم من الأعمال التي يستحيل أن تكون أثرا للإيمان .
وقد سيقت هاتان الآيتان ردّا على اليهود الذين لم يؤمنوا بالنبي صلى اللّه عليه وسلم ، وزعموا أنهم مؤمنون بشريعة لا يطالبهم اللّه بالإيمان بغيرها ، فهي حجة عليهم تشرح طبيعة الإيمان وأثره في المؤمن .
ثم أمر رسوله أن يتحداهم في ادعائهم صادق الإيمان وكامل اليقين فقال :
( قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ )
أي إن صدق قولكم ، وصحت دعواكم أن الجنة لا يدخلها إلا من كان هودا ، وفي أنكم شعب اللّه المختار ، وأن النار لن تمسكم إلا أياما معدودات ، فتمنوا الموت الذي يوصلكم إلى ذلك النعيم الخالص الدائم الذي لا ينازعكم فيه أحد ، إذ لا يرغب الإنسان عن السعادة ويختار الشقاء . وقد روى عن كثير من الصحابة رضوان اللّه عليهم تمنى الموت عند القتال معبّرين بألسنتهم عما يجول في صدورهم من صدق الإيمان بما أعد اللّه للمؤمنين في الدار الآخرة ، فقد جاء في الأخبار أن عبد اللّه بن رواحة كان ينشد وهو يقاتل الروم :
يا حبّذا الجنة واقترابها * طيبة وبارد شرابها