تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 171

مساهمون:

ص١٧١
ووحدانية اللّه وعظيم قدرته لم تزدهم إلا انهماكا في الشرك وتوغلا في ضروب الوثنية ؛ فالنعم التي أسبغها عليهم لم يكن لها من شكر إلا اتخاذ العجل إلها يعبدونه من دون اللّه ، فكيف يعتذرون عن عدم الإيمان بمحمد بأنهم لا يؤمنون إلا بما أنزل إليهم ؟ . وهذا دليل على قسوة قلوبهم وفساد عقولهم ، فلا أمل فيهم لهداية ، ولا مطمع لفكر وتأمل بعد أن اختلّ الوجدان ، وضعف الجنان . وهذه الآيات البينات التي ذكرت هنا كانت في مصر قبل الميعاد الذي نزلت فيه التوراة ، وما ذكر من النعم هناك كان في أرض الميعاد .

الإيضاح

( وَلَقَدْ جاءَكُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ ، ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ )
أي ومن عظيم كفرانكم للنعم أن موسى قد جاء بالأدلة القاطعة والبراهين الناصعة على توحيد اللّه وعظيم قدرته ، فخالفتم ذلك وعصيتم أمره وعبدتم عجل السامري من بعد ذلك ، فهذا ظلم ووضع للشئ في غير موضعه اللائق به ، وأىّ ظلم أعظم من الإشراك باللّه بعبادة من لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرّا ؟ .
( وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا )
قد سبق شرح مثل هذا من قبل سوى أنه قال هناك :
( خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا ما فِيهِ )
وهنا قال :
( خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا )
فأمرهم هناك بالحفظ ، وأمرهم هنا بالفهم والطاعة ، والعبارتان متقاربتان في المراد .
( قالُوا سَمِعْنا وَعَصَيْنا )
أي إنهم قبلوا الميثاق وفهموه ، لكنهم لم يعملوا به وخالفوه ، وليس المراد أنهم نطقوا بقولهم
( سَمِعْنا وَعَصَيْنا )
بل كانوا بمثابة من قال ذلك ، والعرب تعبّر عن حال الإنسان وغيره من الحيوان والجماد بقول تحكيه عنه يومئ إلى ما يجول في قرارة نفسه ويدور يخلده فيكون هذا القول ترجمانا عنه .