ثم ذكر ما يكون منهم لدى الحوار مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال :
( وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا )
أي وإذا قال النبي صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه ليهود المدينة وما حولها : آمنوا بالقرآن الذي أنزله اللّه قالوا نحن دائبون على الإيمان بما أنزل على أنبياء بني إسرائيل كالتوراة وغيرها .
( وَيَكْفُرُونَ بِما وَراءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِما مَعَهُمْ )
أي وهم يكفرون بما سوى التوراة وهو القرآن الذي جاء مصدقا لها ، وهو الحق الذي لا شكّ فيه ، وكيف يكفرون به وهو مؤيد عندهم بالعقل والنقل ؟
( قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ؟ )
أي قل لهم إلزاما للحجة بعد ما اقترفوا من فحش المخالفة لما أنزل إليهم والفسوق عنه : إن كنتم صادقين حقا في اتباعكم ما أنزل اللّه على أنبيائكم ، فلم قتلتموهم ؟ وليس في دينكم الأمر بالقتل ، بل فيه شديد العقاب على القتل مطلقا ، فضلا عن قتل الأنبياء ، فما هذا منكم إلا تناقض بين الأقوال والأفعال .
وقد نسب القتل إليهم والقاتل أسلافهم لما تقدم غير مرة من أن مثل هذا يقصد به بيان وحدة الأمة وتكافلها ، وأنها في الطبائع والأخلاق المشتركة كالشخص الواحد ، فما يصيبها من حسنة أو سيئة ، فإنما مصدره الأخلاق الغالبة عليها ، فما حدث منهم كان عن أخلاق راسخة في الشعب تبع فيها الآخرون الأولين : إما بالعمل بها ، وإما بترك الإنكار لها ؛ فالحجة تقوم على الحاضرين بأن أسلافهم الغائرين قتلوا الأنبياء ؛ فأقروهم على ذلك ولم يعدوه خروجا من الدين ، ولا رفضا للشريعة ، وفاعل الكفر ومجيزه سواء .
[ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 92 إلى 96 ]
وَلَقَدْ جاءَكُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ ( 92 ) وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قالُوا سَمِعْنا وَعَصَيْنا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَما يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ( 93 ) قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 94 ) وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ( 95 ) وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَما هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ ( 96 )