تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 473

مساهمون:

ص٤٧٣
يريد إبل الدية ولذلك قال : طالعات بمخرم . وهو عند أهل القرى الذين يتخذون الحوائط يغلب على النخل يقولون خرج فلان إلى ماله ، أي إلى جناته ، وفي كلام أبي هريرة : « وإن إخواني الأنصار شغلهم العمل في أموالهم » وقال أبو طلحة : « وإن أحب أموالي إليّ بئر حاء » . وغلب عند أهل مكة على الدراهم لأن أهل مكة أهل تجر ومن ذلك قول النبي صلى اللّه عليه وسلم للعباس : « أين المال الذي عند أم الفضل » . وتقدم في قوله تعالى :
لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ
سورة آل عمران [ 92 ] . ومعنى :
عَدَّدَهُ
أكثر من عدّه ، أي حسابه لشدة ولعه بجمعه فالتضعيف للمبالغة في ( عدّ ) ومعاودته . وقرأ الجمهور
جَمَعَ مالًا
بتخفيف الميم ، وقرأه ابن عامر وحمزة والكسائي وأبو جعفر ورويس عن يعقوب وخلف بتشديد الميم مزاوجا لقوله :
عَدَّدَهُ
وهو مبالغة في
جَمَعَ
. وعلى قراءة الجمهور دل تضعيف
عَدَّدَهُ
على معنى تكلف جمعه بطريق الكناية لأنه لا يكرر عده إلا ليزيد جمعه . ويجوز أن يكون
عَدَّدَهُ
بمعنى أكثر إعداده ، أي إعداد أنواعه فيكون كقوله تعالى :
وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعامِ وَالْحَرْثِ
[ آل عمران : 14 ] . وجملة :
يَحْسَبُ أَنَّ مالَهُ أَخْلَدَهُ
يجوز أن تكون حالا من همزة فيكون مستعملا في التّهكم عليه في حرصه على جمع المال وتعديده لأنه لا يوجد من يحسب أن ماله يخلده ، فيكون الكلام من قبيل التمثيل ، أو تكون الحال مرادا بها التشبيه وهو تشبيه بليغ . ويجوز أن تكون الجملة مستأنفة والخبر مستعملا في الإنكار ، أو على تقدير همزة استفهام محذوفة مستعملا في التهكم أو التعجيب . وجيء بصيغة المضي في
أَخْلَدَهُ
لتنزيل المستقبل منزلة الماضي لتحققه عنده ، وذلك زيادة في التهكم به بأنه موقن بأن ماله يخلده حتى كأنه حصل إخلاده وثبت . والهمزة في
أَخْلَدَهُ
للتعدية ، أي جعله خالدا . وقرأ الجمهور : يحسب بكسر السين . وقرأه ابن عامر وعاصم وحمزة وأبو جعفر