تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 177

مساهمون:

ص١٧٧
سورة الأنعام [ 2 ] . فالأجل المسمى : هو عمر كل واحد ، المعيّن له في ساعة خلقه المشار إليه في الحديث « أن الملك يؤمر بكتب أجل المخلوق عندما ينفخ فيه الروح » ، واستعيرت التسمية للتعيين لشبه عدم الاختلاط بين أصحاب الآجال . والمعنى : ويؤخركم فلا يعجل بإهلاككم جميعا فيؤخر كل أحد إلى أجله المعيّن له على تفاوت آجالهم . فمعنى هذه الآية نظير معنى آية سورة هود [ 3 ]
وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتاعاً حَسَناً إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى
وهي على لسان محمد صلى اللّه عليه وسلم .
إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذا جاءَ لا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ
. يحتمل أن تكون هذه الجملة تعليلا لقوله :
وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى
، أي تعليلا للربط الذي بين الأمر وجزائه من قوله :
أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ
إلى قوله :
وَيُؤَخِّرْكُمْ
إلخ لأن الربط بين الأمر وجوابه يعطي بمفهومه معنى : إن لا تعبدوا اللّه ولا تتقوه ولا تطيعوني لا يغفر لكم ولا يؤخركم إلى أجل مسمى ، فعلل هذا الربط والتلازم بين هذا الشرط المقدر وبين جزائه بجملة
إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذا جاءَ لا يُؤَخَّرُ
، أي أن الوقت الذي عيّنه اللّه لحلول العذاب بكم إن لم تعبدوه ولم تطيعون إذا جاء إبّانه باستمراركم على الشرك لا ينفعكم الإيمان ساعتئذ ، كما قال تعالى :
فَلَوْ لا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ
[ يونس : 98 ] ، فيكون هذا حثا على التعجيل بعبادة اللّه وتقواه . فالأجل الذي في قوله :
إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذا جاءَ لا يُؤَخَّرُ
غير الأجل الذي في قوله :
وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى
ويناسب ذلك قوله عقبه
لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ
المقتضي أنهم لا يعلمون هذه الحقيقة المتعلقة بآجال الأمم المعيّنة لاستئصالهم ، وأما عدم تأخير آجال الأعمار عند حلولها فمعلوم للناس مشهور في كلام الأولين . وفي إضافة
أَجَلٍ
إلى اسم الجلالة في قوله :
إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذا جاءَ لا يُؤَخَّرُ
إيماء إلى أنه ليس الأجل المعتاد بل هو أجل عيّنه اللّه للقوم إنذارا لهم ليؤمنوا باللّه . ويحتمل أن تكون الجملة استئنافا بيانيا ناشئا عن تحديد غاية تأخيرهم إلى أجل مسمى ، أي دون تأخيرهم تأخيرا مستمرا فيسأل السامع في نفسه عن علة تنهية تأخيرهم بأجل آخر فيكون أجل اللّه غير الأجل الذي في
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 177 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور