فمفاد هذه الجملة استدلال ثان على أن القرآن منزل من عند اللّه تعالى على طريقة المذهب الكلامي ، بعد الاستدلال الأول المستند إلى القسم والمؤكدات على طريقة الاستدلال الخطابي .
وهو استدلال بما هو مقرر في الأذهان من أن اللّه واسع القدرة ، وأنه عليم فلا يقرر أحدا على أن يقول عنه كلاما لم يقله ، أي لو لم يكن القرآن منزلا من عندنا ومحمد ادعى أنه منزّل منا ، لما أقررناه على ذلك ، ولعجّلنا بإهلاكه . فعدم هلاكه صلى اللّه عليه وسلم دال على أنه لم يتقوله على اللّه ، فإن
لَوْ
تقتضي انتفاء مضمون شرطها لانتفاء مضمون جوابها .
فحصل من هذا الكلام غرضان مهمان :
أحدهما : يعود إلى ما تقدم أي زيادة إبطال لمزاعم المشركين أن القرآن شعر أو كهانة إبطالا جامعا لإبطال النوعين ، أي ويوضح مخالفة القرآن لهذين النوعين من الكلام أن الآتي به ينسبه إلى وحي اللّه وما علمتم شاعرا ولا كاهنا يزعم أن كلامه من عند اللّه .
وثانيهما : إبطال زعم لهم لم يسبق التصريح بإبطاله وهو قول فريق منهم
افْتَراهُ
[ يونس : 38 ] ، أي نسبه إلى اللّه افتراء وتقوّله على اللّه قال تعالى
أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لا يُؤْمِنُونَ
[ الطور : 33 ] فبين لهم أنه لو افترى على اللّه لما أقرّه على ذلك .
ثم إن هذا الغرض يستتبع غرضا آخر وهو تأييسهم من أن يأتي بقرآن لا يخالف دينهم ولا يسفه أحلامهم وأصنامهم ، قال تعالى :
قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ
[ يونس : 15 ] . وهذه الجملة معطوفة عطف اعتراض فلك أن تجعل الواو اعتراضية فإنه لا معنى للواو الاعتراضية إلّا ذلك .
والتقول : نسبة قول لمن لم يقله ، وهو تفعّل من القول صيغت هذه الصيغة الدالة على التكلف لأن الذي ينسب إلى غيره قولا لم يقله يتكلف ويختلق ذلك الكلام ، ولكونه في معنى كذب عدي ب ( على ) .
والمعنى : لو كذب علينا فأخبر أنا قلنا قولا لم نقله إلخ .
و
بَعْضَ
اسم يدل على مقدار من نوع ما يضاف هو إليه ، وهو هنا منصوب على المفعول به ل
تَقَوَّلَ
.
و
الْأَقاوِيلِ
: جمع أقوال الذي هو جمع قول ، أي بعضا من جنس الأقوال التي