تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 131

مساهمون:

ص١٣١
وضمير
إِنَّهُ
عائد إلى القرآن المفهوم من ذكر الحشر والبعث ، فإن ذلك مما جاء به القرآن ومجيئه بذلك من أكبر أسباب تكذيبهم به ، على أن إرادة القرآن من ضمائر الغيبة التي لا معاد لها قد تكرر غير مرة فيه . وتأكيد الخبر بحرف ( إنّ ) واللام للرد على الذين كذبوا أن يكون القرآن من كلام اللّه ونسبوه إلى غير ذلك . والمراد بالرسول الكريم محمّد صلى اللّه عليه وسلم كما يقتضيه عطف قوله :
وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ
[ الحاقة : 44 ] ، وهذا كما وصف موسى ب
رَسُولٍ كَرِيمٍ
في قوله تعالى :
وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ
[ الدخان : 17 ] وإضافة قول إلى
رَسُولٍ
لأنه الذي بلّغه فهو قائله ، والإضافة لأدنى ملابسة وإلّا فالقرآن جعله اللّه تعالى وأجراه على لسان النبي صلى اللّه عليه وسلم ، كما صدر من جبريل بإيحائه بواسطته قال تعالى :
فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ
[ مريم : 97 ] . روي مقاتل أن سبب نزولها : أن أبا جهل قال : إن محمدا شاعر ، وأن عقبة بن أبي معيط قال : هو كاهن ، فقال اللّه تعالى :
إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ
الآية . ويجوز أن يراد ب
رَسُولٍ كَرِيمٍ
جبريل عليه السلام كما أريد به في سورة التكوير إذ الظاهر أن المراد به هنالك جبريل كما يأتي . وفي لفظ
رَسُولٍ
إيذان بأن القول قول مرسله ، أي اللّه تعالى ، وقد أكد هذا المعنى بقوله عقبه
تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ
. ووصف الرسول ب
كَرِيمٍ
لأنه الكريم في صنفه ، أي النفيس الأفضل مثل قوله :
إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ
في سورة النمل [ 29 ] . وقد أثبت للرسول صلى اللّه عليه وسلم الفضل على غيره من الرسل بوصف
كَرِيمٍ
، ونفي أن يكون شاعرا أو كاهنا بطريق الكناية عند قصد رد أقوالهم . وعطف
وَلا بِقَوْلِ كاهِنٍ
على جملة الخبر في قوله :
بِقَوْلِ شاعِرٍ
، و
لا
النافية تأكيد لنفي
ما
. وكني بنفي أن يكون قول شاعر ، أو قول كاهن عن تنزيه النبي صلى اللّه عليه وسلم عن أن يكون شاعرا أو كاهنا ، رد لقولهم : هو شاعر أو هو كاهن .