فهذا عدّ لكفر آخر من وجوه كفرهم وهو تكذيبهم الرسول صلى اللّه عليه وسلّم وتكذيبهم بالقرآن فإن القرآن بيّنة من البيّنات لأنه معجزة .
والباء للسببية فالجملة في موقع العلة . والضمير ضمير الشأن لقصد تهويل ما يفسر الضمير ، وهو جملة
كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ
إلى آخرها .
والاستفهام في
أَ بَشَرٌ
استفهام إنكار وإبطال فهم أحالوا أن يكون بشر مثلهم يهدون بشرا أمثالهم ، وهذا من جهلهم بمراتب النفوس البشرية ومن يصطفيه اللّه منها ، ويخلقه مضطلعا بتبليغ رسالته إلى عباده . كما قال :
وَقالُوا ما لِهذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ
[ الفرقان : 7 ] وجهلوا أنه لا يصلح لإرشاد الناس إلا من هو من نوعهم قال تعالى :
قُلْ لَوْ كانَ فِي الْأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكاً رَسُولًا
[ الإسراء : 95 ] ولمّا أحالوا أن يكون البشر أهلا لهداية بشر مثله جعلوا ذلك كافيا في إعراضهم عن قبول القرآن والتدبر فيه .
والبشر : اسم جنس للإنسان يصدق على الواحد كما في قوله تعالى :
قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ
[ الكهف : 110 ] ويقال على الجمع كما هنا . وتقدم في قوله :
وَقُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما هذا بَشَراً
في سورة يوسف [ 31 ] وفي سورة مريم [ 17 ] عند قوله :
فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا
.
وتنكير
بَشَرٌ
للنوعية لأن محط الإنكار على كونهم يهدونهم ، هو نوع البشرية .
وتقديم المسند إليه على الخبر الفعلي لقصد تقوّي حكم الإنكار ، وما قالوا ذلك حتى اعتقدوه فلذلك أقدموا على الكفر برسلهم إذ قد اعتقدوا استحالة إرسال اللّه إياهم فجزموا بكذبهم في دعوى الرسالة فلذلك فرع عليه
فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا
.
والتولي أصله : الانصراف عن المكان الذي أنت فيه ، وهو هنا مستعار للإعراض عن قبول دعوة رسلهم ، وتقدم عند قوله تعالى :
ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ
في سورة البقرة [ 64 ] .
وَاسْتَغْنَى
غنى فالسين والتاء للمبالغة كقوله :
أَمَّا مَنِ اسْتَغْنى
[ عبس : 5 ] .
والمعنى : غني اللّه عن إيمانهم قال تعالى :
إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ
[ الزمر : 7 ] .
والواو واو الحال ، أي والحال أن اللّه غني عنهم من زمن مضى فإن غنى اللّه عن إيمانهم مقرر في الأزل .