تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 239

مساهمون:

ص٢٣٩
عليه مواقع تلك الأجزاء الدقيقة ولذلك قال تعالى :
أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ بَلى قادِرِينَ عَلى أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ
[ القيامة : 3 ، 4 ] . فالمقصود هو قوله :
وَيَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ
كما يقتضيه الاقتصار عليه في تذييله بقوله :
وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ
ولم يذكر أنه عليم بأعمال الجوارح ، ولأن الخطاب للمشركين في مكة على الراجح . وذلك قبل ظهور المنافقين فلم يكن قوله :
وَيَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وَما تُعْلِنُونَ
تهديدا على ما يبطنه الناس من الكفر . وأما عطف
وَما تُعْلِنُونَ
فتتميم للتذكير بعموم تعلق علمه تعالى بالأعمال . وقد تضمن قوله :
وَيَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وَما تُعْلِنُونَ
وعيدا ووعدا ناظرين إلى قوله :
فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ
[ التغابن : 2 ] فكانت الجملة لذلك شديدة الاتصال بجملة
هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ
[ التغابن : 2 ] . وإعادة فعل
يَعْلَمُ
للتنبيه على العناية بهذا التعلق الخاص للعلم الإلهي بعد ذكر تعلقه العام في قوله :
يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
تنبيها على الوعيد والوعد بوجه خاص . وجملة
وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ
تذييل لجملة
وَيَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ
لأنه يعلم ما يسرّه جميع الناس من المخاطبين وغيرهم . وذات الصدور صفة لموصوف محذوف نزلت منزلة موصوفها ، أي صاحبات الصدور ، أي المكتومة فيها . والتقدير : بالنوايا والخواطر ذات الصدور كقوله :
وَحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ أَلْواحٍ
[ القمر : 13 ] وتقدم بيانه عند قوله تعالى :
إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ
في سورة الأنفال [ 43 ] . [ 5 ]

[ سورة التغابن ( 64 ) : آية 5 ]

أَ لَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ فَذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ( 5 ) انتقال من التعريض الرمزي بالوعيد الأخروي في قوله :
وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ
[ التغابن : 2 ] ، إلى قوله :
وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ
[ التغابن : 3 ] ، وقوله :
وَيَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وَما تُعْلِنُونَ
[ التغابن : 4 ] ، إلى تعريض أوضح منه بطريق الإيماء إلى وعيد لعذاب دنيوي وأخروي معا فإن ما يسمّى في باب الكناية بالإيمان أقل لوازم من التعريض والرمز فهو أقرب إلى التصريح . وهذا الإيماء بضرب المثل بحال أمم تلقوا رسلهم بمثل ما تلقّى به المشركون محمدا صلى اللّه عليه وسلّم