تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 92

مساهمون:

ص٩٢
ختمت السورة بأمره بالصبر تسلية له وبأمره بالتسبيح وحمد اللّه شكرا له على تفضيله بالرسالة . والمراد بحكم ربك ما حكم به وقدره من انتفاء إجابة بعضهم ومن إبطاء إجابة أكثرهم . فاللام في قوله :
لِحُكْمِ رَبِّكَ
يجوز أن تكون بمعنى ( على ) فيكون لتعدية فعل
اصْبِرْ
كقوله تعالى :
وَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ
[ المزمل : 10 ] . ويجوز فيها معنى ( إلى ) أي اصبر إلى أن يحكم اللّه بينك وبينهم فيكون في معنى قوله :
وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ
[ يونس : 109 ] ويجوز أن تكون للتعليل فيكون
لِحُكْمِ رَبِّكَ
هو ما حكم به من إرساله إلى الناس ، أي اصبر لأنك تقوم بما وجب عليك . فللام في هذا المكان موقع جامع لا يفيد غير اللام مثله . والتفريع في قوله :
فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا
تفريع العلة على المعلول
اصْبِرْ
لأنك بأعيننا ، أي بمحل العناية والكلاءة منا ، نحن نعلم ما تلاقيه وما يريدونه بك فنحن نجازيك على ما تلقاه ونحرسك من شرهم وننتقم لك منهم ، وقد وفى بهذا كله التمثيل في قوله :
فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا
، فإن الباء للإلصاق المجازي ، أي لا نغفل عنك ، يقال : هو بمرأى مني ومسمع ، أي لا يخفى عليّ شأنه . وذكر العين تمثيل لشدة الملاحظة وهذا التمثيل كناية عن لازم الملاحظة من النصر والجزاء والحفظ . وقد آذن بذلك قوله :
لِحُكْمِ رَبِّكَ
دون أن يقول : واصبر لحكمنا ، أو لحكم اللّه ، فإن المربوبية تؤذن بالعناية بالمربوب . وجمع الأعين : إما مبالغة في التمثيل كأنّ الملاحظة بأعين عديدة كقوله :
وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا
[ هود : 37 ] وهو من قبيل
وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ
[ الذاريات : 47 ] . ولك أن تجعل الجمع باعتبار تعدد متعلّقات الملاحظة فملاحظة للذب عنه ، وملاحظة لتوجيه الثواب ورفع الدرجة ، وملاحظة لجزاء أعدائه بما يستحقونه ، وملاحظة لنصره عليهم بعموم الإيمان به ، وهذا الجمع على نحو قوله تعالى في قصة نوح :
وَحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ أَلْواحٍ وَدُسُرٍ * تَجْرِي بِأَعْيُنِنا
[ القمر : 13 ، 14 ] لأن عناية اللّه بأهل السفينة تتعلّق بإجرائها وتجنيب الغرق عنها وسلامة ركابها واختيار الوقت لإرسائها وسلامة الركاب في هبوطهم ، وذلك خلاف قوله في قصة موسى
وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي
[ طه : 39 ] فإنه