تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 34

مساهمون:

ص٣٤
زائلة ، فكانت الأقوال التي قالها رسولهم تذكيرا بنعمة اللّه عليهم يجمعها
تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ
، على أنه يجوز أن يكون رسولهم قال لهم هذه الكلمة الجامعة ولم تحك في القرآن إلا في هذا الموضع ، فقد علمت من المقدمة السابعة من مقدمات هذا التفسير أن أخبار الأمم تأتي موزعة على قصصهم في القرآن . فقوله :
تَمَتَّعُوا
أمر مستعمل في إباحة المتاع . وقد جعل المتاع بمعنى النعمة في مواضع كثيرة كقوله تعالى :
وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتاعٌ
[ الرعد : 26 ] قوله :
إِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ
[ الأنبياء : 111 ] . والمراد ب
حِينٍ
زمن مبهم ، جعل نهاية لما متّعوا به من النعم فإن نعم الدنيا زائلة ، وذلك الأجل : إما أن يراد به أجل كل واحد منهم الذي تنتهي إليه حياته ، وإمّا أن يراد به أجل الأمة الذي ينتهي إليه بقاؤها . وهذا نحو قوله :
يُمَتِّعْكُمْ مَتاعاً حَسَناً إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى
[ هود : 3 ] فكما قاله اللّه للناس على لسان محمد صلى اللّه عليه وسلم لعله قاله لثمود على لسان صالح عليه السلام . وليس قوله :
إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ
بمشير إلى قوله في الآية الأخرى
فَعَقَرُوها فَقالَ تَمَتَّعُوا فِي دارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ
[ هود : 65 ] ونحوه لأن ذلك الأمر مستعمل في الإنذار والتأييس من النجاة بعد ثلاثة أيام فلا يكون لقوله بعده :
فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ
مناسبة لتعقيبه به بالفاء لأن الترتيب الذي تفيده الفاء يقتضي أن ما بعدها مرتب في الوجود على ما قبلها . والعتوّ : الكبر والشدة . وضمن « عتوا » معنى : أعرضوا ، فعدي ب ( عن ) ، أي فأعرضوا عما أمرهم اللّه على لسان رسوله صالح عليه السلام . وأخذ الصاعقة إياهم إصابتها إياهم إصابة تشبه أخذ العدوّ عدوه . وجملة
وَهُمْ يَنْظُرُونَ
حال من ضمير النصب في
فَأَخَذَتْهُمُ
، أي أخذتهم في حال نظرهم إلى نزولها ، لأنهم لما رأوا بوارقها الشديدة علموا أنها غير معتادة فاستشرفوا ينظرون إلى السحاب فنزلت عليهم الصاعقة وهم ينظرون ، وذلك هول عظيم زيادة في العذاب فإن النظر إلى النقمة يزيد صاحبها ألما كما أن النظر إلى النعمة يزيد المنعم مسرّة ، قال تعالى :
وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ
[ البقرة : 50 ] . وقرأ الكسائي الصعقة بدون ألف .