[ سورة الذاريات ( 51 ) : الآيات 38 إلى 40 ]
وَفِي مُوسى إِذْ أَرْسَلْناهُ إِلى فِرْعَوْنَ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ ( 38 ) فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ وَقالَ ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ ( 39 ) فَأَخَذْناهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ ( 40 )
قوله :
وَفِي مُوسى
عطف على قوله :
فِيها آيَةً
[ الذاريات : 37 ] .
والتقدير : وتركنا في موسى آية ، فهذا العطف من عطف جملة على جملة لتقدير فعل : تركنا ، بعد واو العطف ، والكلام على حذف مضاف أي في قصة موسى حين أرسلناه إلى فرعون بسلطان مبين فتولى إلخ ، فيكون الترك المقدر في حرف العطف مرادا به جعل الدلالة باقية فكأنها متروكة في الموضع لا تنقل منه كما تقدم آنفا في بيت عنترة .
وأعقب قصة قوم لوط بقصة موسى وفرعون لشهرة أمر موسى وشريعته ، فالترك المقدر مستعمل في مجازيه المرسل والاستعارة . وفي الواو استخدام مثل استخدام الضمير في قول معاوية بن مالك الملقب معوّد الحكماء ( لقبوه به لقوله في ذكر قصيدته ) :
أعوّد مثلها الحكماء بعدي * إذا ما ألحق في الحدثان نابا
إذا نزل السماء بأرض قوم * رعيناه وإن كانوا غضابا
والمعنى : أن قصة موسى آية دائمة . وعقبت قصة قوم لوط بقصة موسى وفرعون لما بينهما من تناسب في أن العذاب الذي عذب به الأمّتان عذاب أرضي إذ عذب قوم لوط بالحجارة التي هي من طين ، وعذب قوم فرعون بالغرق في البحر ، ثم ذكر عاد وثمود وكان عذابهما سماويا إذ عذبت عاد بالريح وثمود بالصاعقة .
والسلطان المبين : الحجة الواضحة وهي المعجزات التي أظهرها لفرعون من انقلاب العصا حية ، وما تلاها من الآيات الثمان .
والتولي حقيقته : الانصراف عن المكان . والركن حقيقته : ما يعتمد عليه من بناء ونحوه ، ويسمى الجسد ركنا لأنه عماد عمل الإنسان .
وقوله :
فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ
تمثيل لهيئة رفضه دعوة موسى بهيئة المنصرف عن شخص .
وبإيراد قوله :
بِرُكْنِهِ
تمّ التمثيل ولولاه لكان قوله :
فَتَوَلَّى
مجرد استعارة .
والباء للملابسة ، أي ملابسا ركنه كما في قوله :
أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ
[ الإسراء :
83 ] .
والمليم : الذي يجعل غيره لائما عليه ، أي وهو مذنب ذنبا يلومه اللّه عليه ، أي