تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 35

مساهمون:

ص٣٥
وقوله :
فَمَا اسْتَطاعُوا مِنْ قِيامٍ
تفريع على
وَهُمْ يَنْظُرُونَ
، أي فما استطاعوا أن يدفعوا ذلك حين رؤيتهم بوادره . فالقيام مجاز للدفاع كما يقال : هذا أمر لا يقوم له أحد ، أي لا يدفعه أحد . وفي الحديث « غضب غضبا لا يقوم له أحد » ، أي فما استطاعوا أيّ دفاع لذلك . وقوله :
وَما كانُوا مُنْتَصِرِينَ
أي لم ينصرهم ناصر حتى يكونوا منتصرين لأن انتصر مطاوع نصر ، أي ما نصرهم أحد فانتصروا . [ 46 ]

[ سورة الذاريات ( 51 ) : آية 46 ]

وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ ( 46 ) قرأ الجمهور
وَقَوْمَ
بالنصب بتقدير ( اذكر ) ، أو بفعل محذوف يدلّ عليه ما ذكر من القصص قبله ، تقديره : وأهلكنا قوم نوح ، وهذا من عطف الجمل وليس من عطف المفردات . وقرأه أبو عمرو وحمزة والكسائي ويعقوب وخلف بالجر عطفا على
ثَمُودَ
[ الذاريات : 43 ] على تقدير : وفي قوم نوح . ومعنى
مِنْ قَبْلُ
أنهم أهلكوا قبل أولئك فهم أول الأمم المكذبين رسولهم أهلكوا . وجملة
إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ
تعليل لما تضمّنه قوله :
وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ
. وتقدير كونهم آية للذين يخافون العذاب : من كونهم عوقبوا وأن عقابهم لأنهم كانوا قوما فاسقين . وأخر الكلام على قوم نوح لما عرض من تجاذب المناسبات فيما أورد من آيات العذاب للأمم المذكورة آنفا بما علمته سابقا . ولذلك كان قوله :
مِنْ قَبْلُ
تنبيها على وجه مخالفة عادة القرآن في ترتيب حكاية أحوال الأمم على حسب ترتيبهم في الوجود . وقد أومأ قوله :
مِنْ قَبْلُ
إلى هذا ومثله قوله تعالى :
وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عاداً الْأُولى * وَثَمُودَ فَما أَبْقى * وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغى
[ النجم : 50 - 52 ] . [ 47 ]

[ سورة الذاريات ( 51 ) : آية 47 ]

وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ ( 47 ) لما كانت شبهة نفاة البعث قائمة على توهم استحالة إعادة الأجسام بعد فنائها أعقب تهديدهم بما يقوض توهمهم فوجه إليه الخطاب يذكرهم بأن اللّه خلق أعظم المخلوقات