تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 36

مساهمون:

ص٣٦
ولم تكن شيئا فلا تعدّ إعادة الأشياء الفانية بالنسبة إليها إلّا شيئا يسيرا كما قال تعالى :
لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ
[ غافر : 57 ] . وهذه الجملة والجمل المعطوفة عليها إلى قوله :
إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ
[ الذاريات : 51 ] معترضة بين جملة
وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ
[ الذاريات : 46 ] إلخ وجملة
كَذلِكَ ما أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ
[ الذاريات : 52 ] الآية . وابتدئ بخلق السماء لأن السماء أعظم مخلوق يشاهده الناس ، وعطف عليه خلق الأرض عطف الشيء على مخالفه لاقتران المتخالفين في الجامع الخيالي . وعطف عليها خلق أجناس الحيوان لأنها قريبة للأنظار لا يكلف النظر فيها والتدبر في أحوالها ما يرهق الأذهان . واستعير لخلق السماء فعل البناء لأنه منظر السماء فيما يبدو للأنظار شبيه بالقبة ونصب القبة يدعى بناء . وهذا استدلال بأثر الخلق الذي عاينوا أثره ولم يشهدوا كيفيته ، لأن أثره ينبئ عن عظيم كيفيته ، وأنها أعظم مما يتصور في كيفية إعادة الأجسام البالية . والأيد : القوة . وأصله جمع يد ، ثم كثر إطلاقه حتى صار اسما للقوة ، وتقدم عند قوله تعالى :
وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ
في سورة ص [ 17 ] . والمعنى : بنيناها بقدرة لا يقدر أحد مثلها . وتقديم
السَّماءَ
على عامله للاهتمام به ، ثم بسلوك طريقة الاشتغال زاده تقوية ليتعلق المفعول بفعله مرتين : مرة بنفسه ، ومرة بضميره ، فإن الاشتغال في قوة تكرر الجملة . وزيد تأكيده بالتذييل بقوله :
وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ
. والواو اعتراضية . والموسع : اسم فاعل من أوسع ، إذا كان ذا وسع ، أي قدرة . وتصاريفه جائية من السّعة ، وهي امتداد مساحة المكان ضد الضيق ، واستعير معناها للوفرة في أشياء مثل الأفراد مثل عمومها في
وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ
[ الأعراف : 156 ] ، ووفرة المال مثل
لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ
[ الطلاق : 7 ] ، وقوله :
عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ
[ البقرة : 236 ] ، وجاء في أسمائه تعالى الواسع
إِنَّ اللَّهَ واسِعٌ عَلِيمٌ
. وهو عند إجرائه على الذات يفيد كمال صفاته الذاتية : الوجود ، والحياة ، والعلم ، والقدرة ، والحكمة ، قال تعالى :
إِنَّ اللَّهَ واسِعٌ عَلِيمٌ
[ البقرة : 115 ] ومنه قوله هنا :
وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ
.