أي كف أيدي المشركين عنهم فإنهم لو واجهوهم يوم الحديبية بالقتال دون المراجعة في سبب قدومهم لرجع المسلمون بعد القتال متعبين . ولما تهيأ لهم فتح خيبر ، وأنهم لو اقتتلوا مع أهل مكّة لدحض في ذلك مؤمنون ومؤمنات كانوا في مكة كما أشار إليه قوله تعالى :
وَلَوْ لا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ
[ الفتح : 25 ] الآية .
فالمراد ب
النَّاسِ
: أهل مكة جريا على مصطلح القرآن في إطلاق هذا اللفظ غالبا .
وقيل : المراد كف أيدي الأعراب المشركين من بني أسد وغطفان وكانوا أحلافا ليهود خيبر وجاءوا لنصرتهم لما حاصر المسلمون خيبر فألقى اللّه في قلوبهم الرعب فنكصوا .
وقيل : إن المشركين بعثوا أربعين رجلا ليصيبوا من المسلمين في الحديبية فأسرهم المسلمون ، وهو ما سيجيء في قوله :
وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ
[ الفتح : 24 ] . وقيل : كفّ أيدي اليهود عنكم ، أي عن أهلكم وذراريكم إذ كانوا يستطيعون أن يهجموا على المدينة في مدة غيبة معظم أهلها في الحديبية ، وهذا القول لا يناسبه إطلاق لفظ
النَّاسِ
في غالب مصطلح القرآن .
والكف : منع الفاعل من فعل أراده أو شرع فيه ، وهو مشتق من اسم الكف التي هي اليد لأن أصل المنع أن يكون دفعا باليد ، ويقال : كف يده عن كذا ، إذا منعه من تناوله بيده .
وأطلق الكف هنا مجازا على الصرف ، أي قدّر اللّه كف أيدي الناس عنكم بأن أوجد أسباب صرفهم عن أن يتناولوكم بضر سواء نووه أو لم ينووه ، وإطلاق الفعل على تقديره كثير في القرآن حين لا يكون للتعبير عن المعاني الإلهية فعل مناسب له في كلام العرب ، فإن اللغة بينت على متعارف الناس مخاطباتهم وطرأت معظم المعاني الإلهية بمجيء القرآن فتغير عن الشأن الإلهي بأقرب الأفعال إلى معناه .
وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً
.
الظاهر أن الواو عاطفة وأن ما بعد الواو علة كما تقتضي لام كي فتعين أنه تعليل لشيء مما ذكر قبله في اللفظ أو عطف على تعليل سبقه . فيجوز أن يكون معطوفا على بعض التعليلات المتقدمة من قوله :
لِيَزْدادُوا إِيماناً مَعَ إِيمانِهِمْ
[ الفتح : 4 ] أو من قوله :
لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ
[ الفتح : 5 ] وما بينهما اعتراضا وهو وإن طال فقد