اقتضته التنقلات المتناسبات . والمعنى أن اللّه أنزل السكينة في قلوب المؤمنين لمصالح لهم منها ازدياد إيمانهم واستحقاقهم الجنة وتكفير سيئاتهم واستحقاق المنافقين والمشركين العذاب ، ولتكون السكينة آية للمؤمنين ، أي عبرة لهم واستدلالا على لطف اللّه بهم وعلى أن وعده لا تأويل فيه .
ومعنى كون السكينة آية أنها سبب آية لأنهم لما نزلت السكينة في قلوبهم اطمأنت نفوسهم فخلصت إلى التدبر والاستدلال فبانت لها آيات اللّه فتأنيث ضمير الفعل لأن معاده السكينة . ويجوز أن يكون معطوفا على تعليل محذوف يثار من الكلام السابق ، حذف لتذهب نفس السامع كل مذهب ممكن في تقديره توفيرا للمعنى . والتقدير : فعجّل لكم هذه لغايات وحكم ولتكون آية . فهو من ذكر الخاص بعد العام المقدر .
فالتقدير مثلا : ليحصل التعجيل لكم بنفع عوضا عما ترقبتموه من منافع قتال المشركين ، ولتكون هذه المغانم آية للمؤمنين منكم ومن يعرفون بها أنهم من اللّه بمكان عنايته وأنه موف لهم ما وعدهم وضامن لهم نصرهم الموعود كما ضمن لهم المغانم القريبة والنصر القريب . وتلك الآية تزيد المؤمنين قوة إيمان . وضمير
لِتَكُونَ
على هذه راجع إلى قوله :
هذِهِ
على أنها المعللة . ويجوز أن يكون الضمير للخصال التي دل عليها مجموع قوله :
فَعَجَّلَ لَكُمْ هذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ
فيكون معنى قوله :
وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ
لغايات جمة منها ما ذكر آنفا ومنها سلامة المسلمين في وقت هم أحوج فيه إلى استبقاء قوتهم منهم إلى قتال المشركين ادخارا للمستقبل .
وجعل صاحب « الكشاف » جملة
وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ
معترضة ، وعليه فالواو اعتراضية غير عاطفة وأن ضمير
لِتَكُونَ
عائدا إلى المرة من فعل كف : أي الكفة .
وعطف عليه
وَيَهْدِيَكُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً
وهو حكمة أخرى ، أي ليزول بذلك ما خامركم من الكآبة والحزن فتتجرد نفوسكم لإدراك الخير المحض الذي في أمر الصلح وإحالتكم على الوعد فتوقنوا أن ذلك هو الحق فتزدادوا يقينا . ويجوز أن يكون فعل
وَيَهْدِيَكُمْ
مستعملا في معنى الإدامة على الهدى وهو : الإيمان الحاصل لهم من قبل على حد قوله :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا
[ النساء : 136 ] على أحد تأويلين .
[ 21 ]
[ سورة الفتح ( 48 ) : آية 21 ]
وَأُخْرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها قَدْ أَحاطَ اللَّهُ بِها وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً ( 21 )