تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 71

مساهمون:

ص٧١
قالوا : نعم ، قال : « فإن ذلك ليس في الحديث غير هذا » يريد فإن ذلك شكر ومكافأة ا ه . وفي المقامة الثالثة والأربعين « حسبك يا شيخ فقد عرفت فنّك ، واستبنت أنك » أي أنك أبو زيد . وقد مثل في « شرح التسهيل » لحذف خبر ( إنّ ) بهذه الآية . وجملة :
وَإِنَّهُ لَكِتابٌ
إلخ في موضع الحال من الذّكر ، أي كفروا به في حاله هذا ، ويجوز أن تكون الجملة عطفا على جملة :
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ
على تقدير خبر
إِنَّ
المحذوف . وقد أجري على القرآن ستة أوصاف ما منها واحد إلا وهو كمال عظيم : الوصف الأول : أنه ذكر ، أي يذكّر الناس كلهم بما يغفلون عنه مما في الغفلة عنه فوات فوزهم . الوصف الثاني من معنى الذكر : أنه ذكر للعرب وسمعة حسنة لهم بين الأمم يخلد لهم مفخرة عظيمة وهو كونه بلغتهم ونزل بينهم كما قال تعالى :
وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ
[ الزخرف : 44 ] وفي قوله :
لَمَّا جاءَهُمْ
إشارة إلى هذا المعنى الثاني . الوصف الثالث : أنه كتاب عزيز ، والعزيز النفيس ، وأصله من العزة وهي المنعة لأن الشيء النفسي يدافع عنه ويحمى عن النبذ فإنه بيّن الإتقان وعلوّ المعاني ووضوح الحجة ومثل ذلك يكون عزيزا ، والعزيز أيضا : الذي يغلب ولا يغلب ، وكذلك حجج القرآن . الوصف الرابع : أنه لا يتطرقه الباطل ولا يخالطه صريحه ولا ضمنيّه ، أي لا يشتمل على الباطل بحال . فمثّل ذلك ب
مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ
. والمقصود استيعاب الجهات تمثيلا لحال انتفاء الباطل عنه في ظاهره وفي تأويله بحال طرد المهاجم ليضر بشخص يأتيه من بين يديه فإن صدّه خاتله فأتاه من خلفه ، وقد تقدم في قوله تعالى :
ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ
[ الأعراف : 17 ] . فمعنى :
لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ
لا يوجد فيه ولا يداخله ، وليس المراد أنه لا يدعى عليه الباطل . الوصف الخامس : أنه مشتمل على الحكمة وهي المعرفة الحقيقية لأنه تنزيل من حكيم ، ولا يصدر عن الحكيم إلا الحكمة :
وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً
[ البقرة : 269 ] فإن كلام الحكيم يأتي محكما متقنا رصينا لا يشوبه الباطل . الوصف السادس : أنه تنزيل من حميد ، والحميد هو المحمود حمدا كثيرا ، أي