تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 73

مساهمون:

ص٧٣
وقوله :
ما قَدْ قِيلَ
نظم متين حمّل الكلام هذين المعنيين العظيمين ، وفي قوله :
إِلَّا ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ
تشبيه بليغ . والمعنى : إلا مثل ما قد قيل للرسل . واجتلاب المضارع في
ما يُقالُ
لإفادة تجدد هذا القول منهم وعدم ارعوائهم عنه مع ظهور ما شأنه أن يصدهم عن ذلك . واقتران الفعل ب
قَدْ
لتحقيق أنه قد قيل للرسل مثل ما قال المشركون للرسول صلى اللّه عليه وسلّم فهو تأكيد للازم الخبر وهو لزوم الصبر على قولهم . وهو منظور فيه إلى حال المردود عليهم إذ حسبوا أنهم جابهوا الرسول بما لم يخطر ببال غيرهم ، وهذا على حد قوله تعالى :
كَذلِكَ ما أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قالُوا ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ أَ تَواصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ
[ الذاريات : 52 ، 53 ] .
إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقابٍ أَلِيمٍ
تسلية للرسول صلى اللّه عليه وسلّم ووعد بأن اللّه يغفر له . ووقوع هذا الخبر عقب قوله :
ما يُقالُ لَكَ إِلَّا ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ
يومئ إلى أن هذا الوعد جزاء على ما لقيه من الأذى في ذات اللّه وأن الوعيد للذين آذوه ، فالخبر مستعمل في لازمه . ومعنى المغفرة له : التجاوز عما يلحقه من الحزن بما يسمع من المشركين من أذى كثير . وحرف
إِنَّ
فيه لإفادة التعليل والتسبب لا للتأكيد . وكلمة
ذُو
مؤذنة بأن المغفرة والعقاب كليهما من شأنه تعالى وهو يضعهما بحكمته في المواضع المستحقة لكل منهما . ووصف العقاب ب
أَلِيمٍ
دون وصف آخر للإشارة إلى أنه مناسب لما عوقبوا لأجله فإنهم آلموا نفس النبي صلى اللّه عليه وسلّم بما عصوا وآذوا . وفي جملة :
إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقابٍ أَلِيمٍ
محسّن الجمع ثم التقسيم ، فقوله :
ما يُقالُ لَكَ
يجمع قائلا ومقولا له فكان الإيماء بوصف ( ذو مغفرة ) إلى المقول له ، ووصف
ذُو عِقابٍ أَلِيمٍ
إلى القائلين ، وهو جار على طريقة اللف والنشر المعكوس وقرينة المقام ترد كلّا إلى مناسبه . [ 44 ]