تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 69

مساهمون:

ص٦٩
بجملة :
إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آياتِنا
[ فصلت : 40 ] واتصال في الموقع بجملة
اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ
[ فصلت : 40 ] . وتحديد هذين الاتصالين اختلفت فيه آراء المفسرين ، وعلى اختلافهم فيهما جرى اختلافهم في موقعها من الإعراب وفي مواقع أجزائها من تصريح وتقدير . فجعل صاحب « الكشاف » قوله :
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ
بدلا من قوله :
إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آياتِنا
، وهو يريد أنه إبدال المفرد من المفرد بدلا مطابقا أو بدل اشتمال ، وأنه بتكرير العامل وهو حرف
إِنَّ
وإن كانت إعادة العامل مع البدل غير مشهورة إلّا في حرف الجر كما قال الرضيّ ، فكلام الزمخشري في « المفصل » يقتضي الإطلاق ، وإن كان أتى بمثالين عاملهما حرف جر . وعلى هذا القول لا يقدر خبر لأن الخبر عن المبدل منه خبر عن البدل وهو قوله :
لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنا
[ فصلت : 40 ] . وعن أبي عمرو بن العلاء والكسائي وعمرو بن عبيد ما يقتضي أنهم يجعلون جملة :
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ
جملة مستقلة لأنهم جعلوا ل
إِنَّ
خبرا . فأما أبو عمرو فقال : خبر
إِنَّ
قوله :
أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ
[ فصلت : 44 ] . حكي أن بلال بن أبي بردة سئل في مجلس أبي عمرو بن العلاء عن خبر
إِنَّ
فقال : لم أجد لها نفاذا ، فقال له أبو عمرو : إنه منك لقريب :
أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ
. وهو يقتضي جعل الجمل التي بين اسم
إِنَّ
وخبرها جملا معترضة وهي نحو سبع . وأما الكسائي وعمرو بن عبيد فقدروا خبرا لاسم
إِنَّ
فقال الكسائي : الخبر محذوف دل عليه قوله قبله :
أَ فَمَنْ يُلْقى فِي النَّارِ خَيْرٌ
[ فصلت : 40 ] ، فنقدر الخبر ، يلقون في النار ، مثلا . وسأل عيسى بن عمر عمرو بن عبيد عن الخبر ، فقال عمرو : معناه أن الذين كفروا بالذكر كفروا به وإنه لكتاب عزيز . فقال عيسى : أجدت يا أبا عثمان . ويجيء على قول هؤلاء أن تكون الجملة بدلا من جملة :
إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آياتِنا
بدل اشتمال إن أريد بالآيات في قوله :
فِي آياتِنا
مطلق الآيات ، أو بدلا مطابقا إن أريد بالآيات آيات القرآن . وقيل الخبر قوله :
ما يُقالُ لَكَ إِلَّا ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ
[ فصلت : 43 ] ، أي ما يقال لك فيهم إلا ما قد قلنا للرسل من قبلك في مكذبيهم ، أو ما يقولون إلا كما قاله الأمم للرسل من قبلك ، وما بينهما اعتراض .