تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 337

مساهمون:

ص٣٣٧
فمحصل المعنى أنه لا يغني موال عن مواليه بشيء من الإغناء حسب مستطاعه ولا ينصرهم ناصر شديد الاستطاعة هو أقوى منهم يدفع عنهم غلب القوي عليهم ، فاللّه هو الغالب لا يدفعه غالب . وبني فعل
يُنْصَرُونَ
إلى المجهول ليعم نفي كل ناصر مع إيجاز العبارة . والاستثناء بقوله :
إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ
وقع عقب جملتي
لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئاً وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ
فحق بأن يرجع إلى ما يصلح للاستثناء منه في تينك الجملتين . ولنا في الجملتين ثلاثة ألفاظ تصلح لأن يستثنى منها وهي
مَوْلًى
الأول المرفوع بفعل
يُغْنِي
، و
مَوْلًى
الثاني المجرور بحرف
عَنْ
، وضمير
وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ
، فالاستثناء بالنسبة إلى الثلاثة استثناء متصل ، أي إلا من رحمة اللّه من الموالي ، أي فإنه يأذن أن يشفع فيه ، ويأذن للشافع بأن يشفع كما قال تعالى :
وَلا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ
[ سبإ : 23 ] وقال :
وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى
[ الأنبياء : 28 ] . وفي حديث الشفاعة أنه يقال لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم : « سل تعطه واشفع تشفّع » . والشفاعة : إغناء عن المشفوع فيه . والشفعاء يومئذ أولياء للمؤمنين فإن من الشفعاء الملائكة وقد حكى اللّه عنهم قولهم للمؤمنين
نَحْنُ أَوْلِياؤُكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ
[ فصلت : 31 ] . وقيل هو استثناء منقطع لأن من رحمه اللّه ليس داخلا في شيء قبله مما يدل على أهل المحشر ، والمعنى : لكن من رحمه اللّه لا يحتاج إلى من يغني عنه أو ينصره وهذا قول الكسائي والفراء . وأسباب رحمة اللّه كثيرة مرجعها إلى رضاه عن عبده وذلك سر يعلمه اللّه . وجملة
إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ
استئناف بياني هو جواب مجمل عن سؤال سائل عن تعيين من رحمه اللّه ، أي أن اللّه عزيز لا يكرهه أحد على العدول عن مراده ، فهو يرحم من يرحمه بمحض مشيئته وهو رحيم ، أي واسع الرحمة لمن يشاء من عباده على وفق ما جرى به علمه وحكمته ووعده . وفي الحديث : « ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء » . [ 43 - 50 ]

[ سورة الدخان ( 44 ) : الآيات 43 إلى 50 ]

إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ ( 43 ) طَعامُ الْأَثِيمِ ( 44 ) كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ ( 45 ) كَغَلْيِ الْحَمِيمِ ( 46 ) خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلى سَواءِ الْجَحِيمِ ( 47 ) ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذابِ الْحَمِيمِ ( 48 ) ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ ( 49 ) إِنَّ هذا ما كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ ( 50 )