تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 279

مساهمون:

ص٢٧٩
[ 61 ]

[ سورة الزخرف ( 43 ) : آية 61 ]

وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِها وَاتَّبِعُونِ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ ( 61 )
وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِها
. الأظهر أن هذا عطف على جملة
وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ
[ الزخرف : 44 ] ويكون ما بينهما مستطردات واعتراضا اقتضته المناسبة . لمّا أشبع مقام إبطال إلهية غير اللّه بدلائل الوحدانية ثني العنان إلى إثبات أن القرآن حق ، عودا على بدء . وهذا كلام موجه من جانب اللّه تعالى إلى المنكرين يوم البعث ، ويجوز أن يكون من كلام النبي صلى اللّه عليه وسلّم . وضمير المذكر الغائب في قوله :
وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ
مراد به القرآن وبذلك فسّره الحسن وقتادة وسعيد بن جبير فيكون هذا ثناء ثامنا على القرآن ، فالثناء على القرآن استمرّ متصلا من أول السورة آخذا بعضه بحجز بعض متخلّلا بالمعترضات والمستطردات ومتخلصا إلى هذا الثناء الأخير بأن القرآن أعلم الناس بوقوع الساعة . ويفسره ما تقدم من قوله :
بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ
[ الزخرف : 43 ] ويبينه قوله بعده
هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ
، على أن ورود مثل هذا الضمير في القرآن مرادا به القرآن كثير معلوم من غير معاد فضلا على وجود معاده . ومعنى تحقيق أن القرآن علم للساعة أنه جاء بالدين الخاتم للشرائع فلم يبق بعد مجيء القرآن إلا انتظار انتهاء العالم . وهذا معنى ما روي من قول الرسول صلى اللّه عليه وسلّم : « بعثت أنا والساعة كهاتين ، وقرن بين السبابة والوسطى مشيرا إليهما » ، والمشابهة في عدم الفصل بينهما . وإسناد
لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ
إلى ضمير القرآن إسناد مجازيّ لأن القرآن سبب العلم بوقوع الساعة إذ فيه الدلائل المتنوعة على إمكان البعث ووقوعه . ويجوز أن يكون إطلاق العلم بمعنى المعلم ، من استعمال المصدر بمعنى اسم الفاعل مبالغة في كونه محصلا للعلم بالساعة إذ لم يقاربه في ذلك كتاب من كتب الأنبياء . وقد ناسب هذا المجاز أو المبالغة التفريع في قوله :
فَلا تَمْتَرُنَّ بِها
لأن القرآن لم يبق لأحد مرية في أن البعث واقع . وعن ابن عباس ومجاهد وقتادة أن الضمير لعيسى ، وتأولوه بأن نزول عيسى علامة الساعة ، أي سبب علم بالساعة ، أي بقربها ، وهو تأويل