تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 276

مساهمون:

ص٢٧٦
الزبعرى بالمثل بعيسى في قوله ، معجبين بفلجه وظهور حجته لضعف إدراكهم لمراتب الاحتجاج . والتعبير عن قريش بعنوان
قَوْمُكَ
. للتعجيب منهم كيف فرحوا من تغلب ابن الزبعرى على النبي صلى اللّه عليه وسلّم بزعمهم في أمر عيسى عليه السلام ، أي مع أنهم قومك وليسوا قوم عيسى ولا أتباع دينه فكان فرحهم ظلما من ذوي القربى ، قال زهير :
وظلم ذوي القربى أشدّ مضاضة * على المرء من وقع الحسام المهنّد
و ( من ) في قوله
مِنْهُ
على الاحتمالين ليست لتعدية
يَصِدُّونَ
إلى ما في معنى المفعول ، لأن الفعل إنما يتعدّى إليه بحرف ( عن ) ، ولا أن الضمير المجرور بها عائد إلى القرآن ولكنها متعلقة ب
يَصِدُّونَ
تعلقا على معنى الابتداء ، أي يصدون صدّا ناشئا منه ، أي من المثل ، أي ضرب لهم مثل فجعلوا ذلك المثل سببا للصدّ . وقالوا جميعا : آلهتنا خير أم هو ، تلقفوها من فم ابن الزبعرى حين قالها للنبي صلى اللّه عليه وسلّم فأعادوها . فهذا حكاية لقول ابن الزبعرى : إنك تزعم أن عيسى نبيء وقد عبدته النصارى فإن كان عيسى في النار قد رضينا أن نكون وآلهتنا في النار . والاستفهام في قوله :
آلِهَتُنا خَيْرٌ أَمْ هُوَ
تقريري للعلم بأن النبي يفضل عيسى على آلهتهم ، أي فقد لزمك أنك جعلت أهلا للنار من كنت تفضله فأمر آلهتنا هيّن . وضمير الرفع في
ما ضَرَبُوهُ
عائد إلى ابن الزبعرى وقومه الذين أعجبوا بكلامه وقالوا بموجبه . وضمير النصب الغائب يجوز أن يكون عائدا إلى المثل في قوله :
وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا
، أي ما ضربوا لك ذلك المثل إلا جدلا منهم ، أي محاجة وإفحاما لك وليسوا بمعتقدين هون أمر آلهتهم عندهم ، ولا بطالبين الميز بين الحق والباطل ، فإنهم لا يعتقدون أن عيسى خير من آلهتهم ولكنهم أرادوا مجاراة النبي في قوله ليفضوا إلى إلزامه بما أرادوه من المناقضة . ويجوز أن يكون ضمير النصب في
ضَرَبُوهُ
عائدا إلى مصدر مأخوذ من فعل
وَقالُوا
، أي ما ضربوا ذلك القول ، أي ما قالوه إلا جدلا . فالضرب بمعنى الإيجاد كما يقال : ضرب بيتا ، وقول الفرزدق : ضربت عليك العنكبوت بنسجها والاستثناء في
إِلَّا جَدَلًا
مفرّغ للمفعول لأجله أو للحال ، فيجوز أن ينتصب