العبرة كالذي في قوله آنفا
فَجَعَلْناهُمْ سَلَفاً وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ
[ الزخرف : 56 ] .
وفي قوله :
لِبَنِي إِسْرائِيلَ
إشارة إلى أن عيسى لم يبعث إلا إلى بني إسرائيل وأنه لم يدع غير بني إسرائيل إلى اتّباع دينه ، ومن اتبعوه من غير بني إسرائيل في عصور الكفر والشرك فإنما تقلدوا دعوته لأنها تنقذهم من ظلمات الشرك والوثنية والتعطيل .
[ 60 ]
[ سورة الزخرف ( 43 ) : آية 60 ]
وَلَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ ( 60 )
لما أشارت الآية السابقة إلى إبطال ضلالة الذين زعموا عيسى عليه السلام ابنا للّه تعالى ، من قصره على كونه عبدا للّه أنعم اللّه عليه بالرسالة وأنه عبرة لبني إسرائيل عقب ذلك بإبطال ما يماثل تلك الضلالة ، وهي ضلالة بعض المشركين في ادعاء بنوة الملائكة للّه تعالى المتقدم حكايتها في قوله :
وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبادِهِ جُزْءاً
[ الزخرف : 15 ] الآيات فأشير إلى أن الملائكة عباد للّه تعالى جعل مكانهم العوالم العليا ، وأنه لو شاء لجعلهم من سكان الأرض بدلا عن الناس ، أي أن كونهم من أهل العوالم العليا لم يكن واجبا لهم بالذات وما هو إلا وضع بجعل من اللّه تعالى كما جعل للأرض سكانا ، ولو شاء اللّه لعكس فجعل الملائكة في الأرض بدلا عن الناس ، فليس تشريف اللّه إياهم بسكنى العوالم العليا بموجب بنوتهم للّه ولا بمقتض لهم إلهية ، كما لم يكن تشريف عيسى بنعمة الرسالة ولا تمييزه بالتكوّن من دون أب مقتضيا له إلهية وإنما هو بجعل اللّه وخلقه .
وجعل شرط
لَوْ
فعلا مستقبلا للدلالة على أن هذه المشيئة لم تزل ممكنة بأن يعوّض للملائكة سكنى الأرض .
ومعنى ( من ) في قوله :
مِنْكُمْ
البدلية والعوض كالتي في قوله تعالى :
أَ رَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ
[ التوبة : 38 ] .
والمجرور متعلق ب ( جعلنا ) ، وقدّم على مفعول الفعل للاهتمام بمعنى هذه البدلية لتتعمق أفهام السامعين في تدبرها .
وجملة
فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ
بيان لمضمون شبه الجملة إلى قوله :
مِنْكُمْ
وحذف مفعول
يَخْلُفُونَ
لدلالة
مِنْكُمْ
عليه ، وتقديم هذا المجرور للاهتمام بما هو أدل على كون الجملة بيانا لمضمون
مِنْكُمْ
. وهذا هو الوجه في معنى الآية وعليه درج المحققون . ومحاولة صاحب « الكشاف » حمل
مِنْكُمْ
على معنى الابتدائية والاتصال لا يلاقي سياق الآيات .