تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 240

مساهمون:

ص٢٤٠
على قلوبهم ، أو استحسنوا عبادة الأصنام كما قال قوم موسى :
اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ
[ الأعراف : 138 ] فيهتدون بتلك الكلمة حين يضيق الزّمن عن بسط الحجة . وهذا شأن الكلام الذي يجعل شعارا لشيء فإنه يكون أصلا موضوعا قد تبيّن صدقه وإصابته ، فاستحضاره يغني عن إعادة بسط الحجة له . وجملة
لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ
بدل اشتمال من جملة
وَجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ
لأن جعله كلمة
إِنَّنِي بَراءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ
[ الزخرف : 26 ] باقية في عقبه ، أراد منه مصالح لعقبه منها أنه رجا بذلك أن يرجعوا إلى نبذ عبادة الأصنام إن فتنوا بعبادتها أو يتذكروا بها الإقلاع عن عبادة الأصنام إن عبدوها ، فمعنى الرجوع ، العود إلى ما تدل عليه تلك الكلمة . ونظيره قوله تعالى :
وَأَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ
[ الزخرف : 48 ] ، أي لعلهم يرجعون عن كفرهم . فحرف ( لعل ) لإنشاء الرجاء ، والرجاء هنا رجاء إبراهيم لا محالة ، فتعيّن أن يقدر معنى قول صادر من إبراهيم بإنشاء رجائه ، بأن يقدر : قال :
لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ
، أو قائلا :
لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ
. والرّجوع مستعار إلى تغيير اعتقاد طارئ باعتقاد سابق ، شبه ترك الاعتقاد الطارئ والأخذ بالاعتقاد السابق برجوع المسافر إلى وطنه أو رجوع الساعي إلى بيته . والمعنى : يرجع كل من حاد عنها إليها ، وهذا رجاؤه قد تحقق في بعض عقبه ولم يتحقق في بعض كما قال تعالى :
قالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ
[ البقرة : 124 ] أي المشركين . ولعل ممن تحقق فيه رجاء إبراهيم عمود نسب النبي صلى اللّه عليه وسلم وإنما كانوا يكتمون دينهم تقية من قومهم ، وقد بسطت القول في هذا المعنى وفي أحوال أهل الفترة في هذه الآية في رسالة « طهارة النسب النبوي من النقائص » « 1 » . وفي قوله :
وَجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ
إشعار بأن وحدانية اللّه كانت غير مجهولة للمشركين ، فيتجه أن الدعوة إلى العلم بوجود اللّه ووحدانيته كانت بالغة لأكثر الأمم بما تناقلوه من أقوال الرّسل السابقين ، ومن تلك الأمم العرب ، فيتجه مؤاخذة المشركين على الإشراك قبل بعثة محمد صلى اللّه عليه وسلّم لأنهم أهملوا النظر فيما هو شائع بينهم أو تغافلوا عنه أو أعرضوا . فيكون أهل الفترة مؤاخذين على نبذ التوحيد في الدّنيا ومعاقبين عليه في الآخرة
هامش
( 1 ) نشرت في مجلة . . . . . . . . ببغداد سنة .