تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 239

مساهمون:

ص٢٣٩
فضمير الرفع في
جَعَلَها
عائد إلى إبراهيم وهو الظاهر من السياق والمناسب لقوله :
لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ
ولأنه لم يتقدم اسم الجلالة ليعود عليه ضمير
جَعَلَها
. وحكى في « الكشاف » إنه قيل : الضمير عائد إلى اللّه وجزم به القرطبي وهو ظاهر كلام أبي بكر بن العربي . والضمير المنصوب في قوله :
وَجَعَلَها
عائد إلى الكلام المتقدم . وأنث الضمير لتأويل الكلام بالكلمة نظرا لوقوع مفعوله الثاني لفظ
كَلِمَةً
لأن الكلام يطلق عليه
كَلِمَةً
كقوله تعالى في سورة المؤمنين [ 100 ]
إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها
، أي قول الكافر
رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ
[ المؤمنون : 99 ، 100 ] . وقال تعالى :
كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ
[ الكهف : 5 ] وهي قولهم :
اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً
[ البقرة : 116 ] وقد قال تعالى :
وَوَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ
[ البقرة : 132 ] ، أي بقوله :
أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ
[ البقرة : 131 ] فأعاد عليها ضمير التأنيث على تأويل ( الكلمة ) . واعلم أنه إنّما يقال للكلام كلمة إذا كان كلاما سائرا على الألسنة متمثلا به ، كما في قول النبي صلى اللّه عليه وسلم : « أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد : ألا كل شيء ما خلا اللّه باطل » ، أو كان الكلام مجعولا شعارا كقولهم : لا إله إلا اللّه كلمة الإسلام ، وقال تعالى :
وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ
[ التوبة : 74 ] » . فالمعنى : جعل إبراهيم قوله :
إِنَّنِي بَراءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي
[ الزخرف : 26 ، 27 ] شعارا لعقبه ، أي جعلها هي وما يرادفها قولا باقيا في عقبه على مرّ الزمان فلا يخلو عقب إبراهيم من موحدين للّه نابذين للأصنام . وأشعر حرف الظرفية بأن هاته الكلمة لم تنقطع بين عقب إبراهيم دون أن تعمّ العقب ، فإن أريد بالعقب مجموع أعقابه فإن كلمة التوحيد لم تنقطع من اليهود وانقطعت من العرب بعد أن تقلدوا عبادة الأصنام إلّا من تهوّد منهم أو تنصّر ، وإن أريد من كل عقب فإن العرب لم يخلو من قائم بكلمة التوحيد مثل المتنصّرين منهم كالقبائل المتنصرة وورقة بن نوفل ، ومثل المتحنفين كزيد بن عمرو بن نفيل ، وأمية بن أبي الصلت . وذلك أن
فِي
ترد للتبعيض كما ذكرناه في قوله تعالى :
وَارْزُقُوهُمْ فِيها وَاكْسُوهُمْ
في سورة النساء [ 5 ] . وقال سبرة بن عمرو الفقعسي من الحماسة : ونشرب في أثمانها ونقامر والعقب : الذرية الذين لا ينفصلون من أصلهم بأنثى ، أي جعل إبراهيم كلمة التوحيد باقية في عقبه بالوصاية عليها راجيا أنهم يرجعون ، أي يتذكرون بها التوحيد إذا ران رين
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 239 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور