تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 182

مساهمون:

ص١٨٢
لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ
[ الشورى : 35 ] ، وقوله :
وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ
. والمعنى : أنهم لا يجدون محيصا ولا وليا ، فلا يجدون إلا الندامة على ما فات فيقولوا
هَلْ إِلى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ
. والاستفهام بحرف
هَلْ
إنكاري في معنى النفي ، فلذلك أدخلت
مَنْ
الزائدة على
سَبِيلٍ
لأنه نكرة في سياق النفي . والمرد : مصدر ميمي للردّ ، والمراد بالرد : الرجوع ، يقال : رده ، إذا أرجعه . ويجوز أن يكون
مَرَدٍّ
بمعنى الدفع ، أي هل إلى ردّ العذاب عنا الذي يبدو لنا سبيل حتى لا نقع فيه ، فهو في معنى
إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ ما لَهُ مِنْ دافِعٍ
في سورة الطور [ 8 ] . والخطاب في
تَرَى
لغير معيّن ، أي تناهت حالهم في الظهور فلا يختص به مخاطب ، أو الخطاب للنبي صلى اللّه عليه وسلّم تسلية له على ما لاقاه منهم من التكذيب . والمقصود : الإخبار بحالهم أولا ، والتعجيب منه ثانيا ، فلم يقل : والظالمون لما رأوا العذاب يقولون ، وإنما قيل :
وَتَرَى الظَّالِمِينَ
للاعتبار بحالهم . ومجيء فعل
رَأَوُا الْعَذابَ
بصيغة الماضي للتنبيه على تحقيق وقوعه ، فالمضي مستعار للاستقبال تشبيها للمستقبل بالماضي في التحقق ، والقرينة فعل
تَرَى
الذي هو مستقبل إذ ليست الرؤية المذكورة بحاصلة في الحال فكأنه قيل : لما يرون العذاب . وجملة
يَقُولُونَ
حال من
الظَّالِمِينَ
أي تراهم قائلين ، فالرؤية مقيدة بكونها في حال قولهم ذلك ، أي في حال سماع الرائي قولهم . [ 45 ]

[ سورة الشورى ( 42 ) : آية 45 ]

وَتَراهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْها خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ وَقالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذابٍ مُقِيمٍ ( 45 )
وَتَراهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْها خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ
. أعيد فعل ( ترى ) للاهتمام بهذه الرؤية وتهويلها كما أعيد فعل ( تلاقوا ) في قول ودّاك بن ثميل المازني :
رويدا بني شيبان بعض وعيدكم * تلاقوا غدا خيلي على سفوان