تلاقوا جيادا لا تحيد عن الوغى * إذا ظهرت في المأزق المتداني
والعرض : أصله إظهار الشيء وإراءته للغير ، ولذلك كان قول العرب : عرضت البعير على الحوض معدودا عند علماء اللغة وعلماء المعاني من قبيل القلب في التركيب ، ثم تتفرع عليه إطلاقات عديدة متقاربة دقيقة تحتاج إلى تدقيق .
ومن إطلاقاته قولهم : عرض الجند على الأمير ، وعرض الأسرى على الأمير ، وهو إمرارهم ليرى رأيه في حالهم ومعاملتهم ، وهو إطلاقه هنا على طريق الاستعارة ، استعير لفظ
يُعْرَضُونَ
لمعنى : يمرّ بهم مرّا عاقبته التمكن منهم والحكم فيهم فكأنّ جهنم إذا عرضوا عليها تحكم بما أعدّ اللّه لهم من حريقها ، ويفسره قوله في سورة الأحقاف [ 20 ]
وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِها
الآية .
وقد تقدم إطلاق له آخر عند قوله تعالى :
ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ
في سورة البقرة [ 31 ] .
وبني فعل
يُعْرَضُونَ
للمجهول لأن المقصود حصول الفعل لا تعيين فاعله .
والذين يعرضون الكافرين على النار هم الملائكة كما دلت عليه آيات أخرى .
وضمير
عَلَيْها
عائد إلى العذاب بتأويل أنه النار أو جهنم أو عائد إلى جهنم المعلومة من المقام .
وانتصب
خاشِعِينَ
على الحال من ضمير الغيبة في
تَراهُمْ
لأنها رؤية بصرية .
والخشوع : التطامن وأثر انكسار النفس من استسلام واستكانة فيكون للمخافة ، وللمهابة ، وللطاعة ، وللعجز عن المقاومة .
والخشوع مثل الخضوع إلّا أن الخضوع لا يسند إلّا إلى البدن فيقال : خضع فلان ، ولا يقال : خضع بصره إلا على وجه الاستعارة ، كما في قوله تعالى :
فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ
[ الأحزاب : 32 ] ، وأما الخشوع فيسند إلى البدن كقوله تعالى :
خاشِعِينَ لِلَّهِ
في آخر سورة آل عمران [ 199 ] . ويسند إلى بعض أعضاء البدن كقوله تعالى :
خُشَّعاً أَبْصارُهُمْ
في سورة القمر [ 7 ] ، وقوله :
وَخَشَعَتِ الْأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْساً
في سورة طه [ 108 ] .
والمراد بالخشوع في هذه الآية ما يبدو عليهم من أثر المذلة والمخافة . فقوله :
مِنَ الذُّلِّ
متعلق ب
خاشِعِينَ
وتعلقه به يغني عن تعليقه ب
يَنْظُرُونَ
ويفيد ما لا يفيده تعليقه به .