ينتصروا ممن بغوا عليهم ثم عقب بأن أولئك ما عليهم من سبيل كان ذلك مثار سؤال سائل عن الجانب الذي يقع عليه السبيل المنفي عن هؤلاء .
والقصر المفاد ب
إِنَّمَا
تأكيد لمضمون جملة
فَأُولئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ
[ الشورى : 41 ] لأنه كان يكفي لإفادة معنى القصر أن يقابل نفي السبيل عن الذين انتصروا بعد ظلمهم بإثبات أنّ السبيل على الظالمين ، لأن إثبات الشيء لأحد ونفيه عمن سواه يفيد معنى القصر وهو الأصل في إفادة القصر بطريق المساواة أو الإطناب كقول السّموأل أو غيره :
تسيل على حدّ الظّبات نفوسنا * وليست على غير الظبات تسيل
وأما طرق القصر المعروفة في علم المعاني فهي من الإيجاز ، فلما أوردت أداة القصر هنا حصل نفي السبيل عن غيرهم مرة أخرى بمفاد القصر فتأكد حصوله الأول الذي حصل بالنفي ، ونظيره قوله تعالى :
ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ
إلى قوله :
إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِياءُ
في سورة براءة [ 93 ] .
والمراد ب
السَّبِيلُ
عين المراد به في قوله :
فَأُولئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ
[ الشورى : 41 ] بقرينة أنه أعيد معرّفا باللام بعد أن ذكر منكّرا فإن إعادة اللفظ النكرة معرّفا بلام التعريف يفيد أن المراد به ما ذكر أولا . وهذا السبيل الجزاء والتبعة في الدنيا والآخرة .
وشمل عموم
الَّذِينَ يَظْلِمُونَ
، وعموم
النَّاسَ
كلّ ظالم ، وبمقدار ظلمه يكون جزاؤه . ويدخل ابتداء فيه الظالمون المتحدّث عنهم وهم مشركو أهل مكة ، والناس المتحدث عنهم وهم المسلمون يومئذ .
والبغي في الأرض : الاعتداء على ما وضعه اللّه في الأرض من الحق الشامل لمنافع الأرض التي خلقت للناس ، مثل تحجير الزرع والأنعام المحكي في قوله تعالى :
وَقالُوا هذِهِ أَنْعامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لا يَطْعَمُها إِلَّا مَنْ نَشاءُ بِزَعْمِهِمْ
[ الأنعام : 138 ] ، ومثل تسييب السائبة وتبحير البحيرة ، والشامل لمخالفة ما سنّه اللّه في فطرة البشر من الأحوال القويمة مثل العدل وحسن المعاشرة ، فالبغي عليها بمثل الكبرياء والصلف وتحقير الناس المؤمنين وطردهم عن مجامع القوم بغي في الأرض بغير الحق .
و
الْأَرْضِ
: أرض مكة ، أو جميع الكرة الأرضية وهو الأليق بعموم الآية ، كما قال تعالى :
وَإِذا تَوَلَّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها
[ البقرة : 205 ] وقال :
وَلا