تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 175

مساهمون:

ص١٧٥
هذا فما صدق الظالمين : هم الذين أصابوا المؤمنين بالبغي . ويجوز أيضا أن يكون التعليل بقوله :
إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ
منصرفا لمفهوم جملة
وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها
أي دون تجاوز المماثلة في الجزاء كقوله :
وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ
[ النمل : 126 ] فيكون ما صدق
الظَّالِمِينَ
: الذين يتجاوزون الحد في العقوبة من المؤمنين على أن يكون تحذيرا من مجاوزة الحدّ ، كقول النبي صلى اللّه عليه وسلّم : « من حام الحمى يوشك أن يقع فيه » . وقد شملت هذه الآية بموقعها الاعتراضي أصول الإرشاد إلى ما في الانتصار من الظالم وما في العفو عنه من صلاح الأمة ، ففي تخويل حق انتصار المظلوم من ظالمه ردع للظالمين عن الإقدام على الظلم خوفا من أن يأخذ المظلوم بحقه ، فالمعتدي يحسب لذلك حسابه حين الهمّ بالعدوان . وفي الترغيب في عفو المظلوم عن ظالمه حفظ آصرة الأخوة الإسلامية بين المظلوم وظالمه كيلا تنثلم في آحاد جزئياتها بل تزداد بالعفو متانة كما قال تعالى :
ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ
[ فصلت : 34 ] . على أن اللّه تعالى لم يهمل جانب ردع الظالم فأنبأ بتحقيق أنه بمحل من غضب اللّه عليه إذ قال :
إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ
ولا ينحصر ما في طي هذا من هول الوعيد . وتنشأ على معنى هذه الآية مسألة غرّاء تجاذبتها أنظار السلف بالاعتبار ، وهي : تحليل المظلوم ظالمه من مظلمته . قال أبو بكر بن العربي في « الأحكام » : روى ابن القاسم وابن وهب عن مالك وسئل عن قول سعيد بن المسيّب : لا أحلّل أحدا ، فقال : ذلك يختلف . فقلت : الرجل يسلف الرجل فيهلك ولا وفاء له قال : أرى أن يحلله ، وهو أفضل عندي لقول اللّه تعالى :
الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ
[ الزمر : 18 ] ، وإن كان له فضل يتبع فقيل له : الرجل يظلم الرجل ، فقال : لا أرى ذلك ، وهو عندي مخالف للأول لقول اللّه تعالى :
إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ
[ الشورى : 42 ] ، ويقول تعالى :
ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ
[ التوبة : 91 ] فلا أرى أن تجعله من ظلمه في حلّ . قال ابن العربي فصار في المسألة ثلاثة أقوال : أحدها : لا يحلّله بحال قاله ابن المسيّب . والثاني : يحلّله ، قاله ابن سيرين ، زاد القرطبي وسليمان بن يسار ، الثالث : إن كان مالا حلّله وإن كان ظلما لم يحلّله وهو قول مالك .
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 175 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور