تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 174

مساهمون:

ص١٧٤
نفوس الغالبين حسبما اصطلح عليه الناس . ومن ذلك أيضا إتلاف بعض الحواس بسبب ضرب على الرأس أو على العين فيصار إلى الدية إذ لا تضبط إصابة حاسّة الباغي بمثل ما أصاب به حاسّة المعتدى عليه . وكذلك إعطاء قيم المتلفات من المقوّمات إذ يتعسر أن يكلف الجاني بإعطاء مثل ما أتلفه . ومن مشاكل المماثلة في العقوبة مسألة الجماعة يتمالئون على قتل أحد عمدا ، أو على قطع بعض أعضائه ؛ فإن اقتص من واحد منهم كان ذلك إفلاتا لبقية الجناة من عقوبة جرمهم ، وإن اقتص من كل واحد منهم كان ذلك زيادة في العقوبة لأنهم إنما جنوا على واحد . فمن العلماء من لم يعتدّ بتلك الزيادة ونظر إلى أن كل واحد منهم جنى على المجني عليه فاستحق الجزاء بمثل ما ألحقه بالمجنيّ عليه ، وجعل التعدّد ملغى وراعى في ذلك سدّ ذريعة أن يتحيّل المجرم على التنصل من جرمه بضم جماعة إليه ، وهذا قول مالك والشافعي أخذا من قضاء عمر بن الخطاب ، وقوله : لو اجتمع على قتله أهل صنعاء لاقتصصت منهم . ومنهم من عدل عن الزيادة مطلقا وهو قول داود الظاهري ، ومنهم من عدل عن تلك الزيادة في القطع ولم يعدل عنها في القتل ، ولعل ذلك لأن عمر بن الخطاب قضى به في القتل ولم يؤثر عن أحد في القطع . وربما ألغى بعضهم الزيادة إذا كان طريق ثبوت الجناية ضعيفا مثل القسامة مع اللوث عند من يرى القصاص بها فإن مالكا لم ير أن يقتل بالقسامة أكثر من رجل واحد . واعلم أن المماثلة في نحو هذا تحقق بقيمة الغرم كما اعتبرت في الديات وأروش الجنايات . وجملة
إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ
في موضع العلة لكلام محذوف دل عليه السياق فيقدر : أنه يحب العافين كما قال
وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ
[ آل عمران : 134 ] . ونصره على ظالمه موكول إلى اللّه وهو لا يحب الظالمين ، أي فيؤجر الذين عفوا وينتصر لهم على الباغين لأنه لا يحب الظالمين فلا يهمل الظالم دون عقاب
وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً
[ الإسراء : 33 ] . وقد استفيد حبّ اللّه العافين من قوله :
إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ
، وعلى