يتمنون ما يحجب عنهم حرّ النار فعبر عن طبقات النار بالظّلل إشارة إلى أنهم لا واقي لهم من حر النار على نحو تأكيد الشيء بما يشبه ضده ، وقوله
لَهُمْ
ترشيح للاستعارة .
وأما إطلاق الظلل على الطبقات التي تحتهم فهو من باب المشاكلة ولأن الطبقات التي تحتهم من النار تكون ظللا لكفار آخرين لأن جهنم دركات كثيرة .
ذلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ
.
تذييل للتهديد بالوعيد من قوله تعالى :
قُلْ إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ
[ الزمر : 15 ] الآية ، أو استئناف بياني بتقدير سؤال يخطر في نفس السامع لوصف عذابهم بأنه ظلل من النار من فوقهم وظلل من تحتهم أن يقول سائل : ما يقع إعداد العذاب لهم في الآخرة بعد فوات تدارك كفرهم ؟ فأجيب بأن اللّه جعل ذلك العذاب في الآخرة لتخويف اللّه عباده حين يأمرهم بالاستقامة ويشرع لهم الشرائع ليعلموا أنهم إذا لم يستجيبوا للّه ورسله تكون ذلك عاقبتهم . ولما كان وعيد اللّه خبرا منه ولا يكون إلا صدقا حقق لهم في الآخرة ما توعدهم به في الحياة وتخويف اللّه به معناه أنه يخوفهم بالإخبار به وبوصفه ، أما إذاقتهم إياه فهي تحقيق للوعيد .
ويعلم من هذا بطريق المقابلة جعل الجنة لترغيب عباده في التقوى ، إلا أنه طوى ذكره لأن السياق موعظة لأهل الشرك فاللّه جعل الجنة وجهنم إتماما لحكمته ومراده من نظام الحياة الدنيا ليكون الناس فيها على أكمل ما ترتقي إليه النفس الزكية . والظاهر أن الجنة جعلها اللّه مسكنا لأهل النفوس المقدسة من الملائكة والناس مثل الرسل فلذلك هي مخلوقة من قبل ظهور التكليف ، وأما جهنم فيحتمل أنها مقدمة وهو ظاهر
حديث : « اشتكت النار إلى ربها فقالت : أكل بعضي بعضا فأذن لها بنفسين نفس في الشتاء ونفس في الصيف » .
ويحتمل أنها تخلق يوم الجزاء ويتأول الحديث .
وقوله تعالى :
ذلِكَ
إشارة إلى ما وصف من الخسران والعذاب بتأويل المذكور .
والتخويف : مصدر خوفه ، إذا جعله خائفا إذا أراه ووصف له شيئا يثير في نفسه الخوف ، وهو الشعور بما يؤلم النفس بواسطة إحدى الحواس الخمس .
والعباد المضاف إلى ضمير الجلالة في الموضعين هنا يعمّ كل عبد من الناس من مؤمن وكافر إذ الجميع يخافون العذاب على العصيان ، والعذاب متفاوت وأقصاه الخلود لأهل الشرك ، وليس العباد هنا مرادا به أهل القرب لأنه لا يناسب مقام التخويف ولأن