تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 50

مساهمون:

ص٥٠
قبلها فصار طاغوت بوزن فلعوت بتحريك اللام وتاؤه زائدة للمبالغة في المصدر . ومن العلماء من جعل الطاغوت اسما أعجميا على وزن فاعول مثل جالوت وطالوت وهارون ، وذكره في « الإتقان » فيما وقع في القرآن من المعرّب وقال : إنه الكاهن بالحبشية . واستدركه ابن حجر فيما زاده على أبيات ابن السبكي في الألفاظ المعرّبة الواقعة في القرآن ، وقد تقدم ذكره بأخصر مما هنا عند قوله تعالى :
أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ
في سورة النساء [ 51 ] . وأطلق الطاغوت في القرآن والسنة على القوي في الكفر أو الظلم ، فأطلق على الصّنم ، وعلى جماعة الأصنام ، وعلى رئيس أهل الكفر مثل كعب بن الأشرف . وأما جمعه على طواغيت فذلك على تغليب الاسمية علما بالغلبة إذ جعل الطاغوت لواحد الأصنام وهو قليل ، وهو هنا مراد به جماعة الأصنام وقد أجرى عليه ضمير المؤنث في قوله :
أَنْ يَعْبُدُوها
باعتبار أنه جمع لغير العاقل ، وأجري عليه ضمير جماعة الذكور في قوله تعالى :
وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ
في سورة البقرة [ 257 ] باعتبار أنه وقع خبرا عن الأولياء وهو جمع مذكر ، وباعتبار تنزيلها منزلة العقلاء في زعم عبادها . و
أَنْ يَعْبُدُوها
بدل من
الطَّاغُوتَ
بدل اشتمال . والإنابة : التوبة وتقدمت في قوله :
إِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ
في سورة هود [ 75 ] . والمراد بها هنا التوبة من كل ذنب ومعصية وأعلاها التوبة من الشرك الذي كانوا عليه في الجاهلية . والبشرى : البشارة ، وهي الإخبار بحصول نفع ، وتقدمت في قوله تعالى :
لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ
في سورة يونس [ 64 ] . والمراد بها هنا : البشرى بالجنة . وفي تقديم المسند من قوله :
لَهُمُ الْبُشْرى
إفادة القصر وهو مثل القصر في
أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وَأُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ
. وفرع على قوله :
لَهُمُ الْبُشْرى
قوله :
فَبَشِّرْ عِبادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ
وهم الذين اجتنبوا الطاغوت ، فعدل عن الإتيان بضميرهم بأن يقال : فبشرهم ، إلى الإظهار باسم العباد مضاف إلى ضمير اللّه تعالى ، وبالصلة لزيادة مدحهم بصفتين أخريين وهما : صفة العبودية للّه ، أي عبودية التقرب ، وصفة استماع القول واتباع أحسنه . وقرأ العشرة ما عدا السوسي راوي أبي عمرو كلمة
عِبادِ
بكسر الدال دون ياء