تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 46

مساهمون:

ص٤٦
الاكتراث بفعل المخاطب ، أي أن ذلك لا يضرني كقوله في سورة الكهف [ 29 ] :
فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ
، أي اعبدوا أيّ شيء شئتم عبادته من دون اللّه . وجعلت الصلة هنا فعل المشيئة إيماء إلى أن رائدهم في تعيين معبوداتهم هو مجرد المشيئة والهوى بلا دليل .
قُلْ إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ
أعقب أمر التسوية في شأنهم بشيء من الموعظة حرصا على إصلاحهم على عادة القرآن ، ولوحظ في إبلاغهم هذه الموعظة مقام ما سبق من التخلية بينهم وبين شأنهم جمعا بين الإرشاد وبين التوبيخ ، فجيء بالموعظة على طريق التعريض والحديث عن الغائب والمراد المخاطبون . وافتتح المقول بحرف التوكيد تنبيها على أنه واقع وتعريف
الْخاسِرِينَ
تعريف الجنس ، أي أن الجنس الذين عرفوا بالخسران هم الذين خسروا أنفسهم وأهليهم . وتعريف المسند والمسند إليه من طريق القصر ، فيفيد هذا التركيب قصر جنس الخاسرين على الذين خسروا أنفسهم وأهليهم ، وهو قصر مبالغة لكمال جنس الخسران في الذين خسروا أنفسهم وأهليهم فخسران غيرهم كلا خسران ، ولهذا يقال في لام التعريف في مثل هذا التركيب إنها دالة على معنى الكمال فليسوا يريدون أن معنى الكمال من معاني لام التعريف . ولما كان الكلام مسوقا بطريق التعريض بالذين دار الجدال معهم من قوله :
إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ
إلى قوله :
فَاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ
[ الزمر : 7 - 15 ] ، علم أن المراد بالذين خسروا أنفسهم وأهليهم هم الذين جرى الجدال معهم ، فأفاد معنى : أن الخاسرين أنتم ، إلا أن وجه العدول عن الضمير إلى الموصولية في قوله :
الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ
لإدماج وعيدهم بأنهم يخسرون أنفسهم وأهليهم يوم القيامة . ومعنى خسرانهم أنفسهم : أنهم تسببوا لأنفسهم في العذاب في حين حسبوا أنهم سعوا لها في النعيم والنجاح ، وهو تمثيل لحالهم في إيقاع أنفسهم في العذاب وهم يحسبون أنهم يلقونها في النعيم ، بحال التاجر الذي عرض ماله للنماء والربح فأصيب بالتلف ، فأطلق على هذه الهيئة تركيب
خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ
، وقد تقدم في قوله تعالى :
وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ
في أوّل سورة الأعراف [ 9 ] .