تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 69

مساهمون:

ص٦٩
و
يَصَّدَّعُونَ
أصله يتصدّعون فقلبت التاء صادا لتقارب مخرجيهما لتأتي التخفيف بالإدغام . والتصدع : مطاوع الصدع ، وحقيقة الصدع : الكسر والشق ، ومنه تصدع القدح . والمراد باليوم : يوم الحشر . والتصدع : التفرق والتمايز . ويكون ضمير الجمع عائدا إلى جميع الناس ، أي يومئذ يفترق المؤمنون من الكافرين على نحو قوله تعالى
وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ * فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا وَلِقاءِ الْآخِرَةِ فَأُولئِكَ فِي الْعَذابِ مُحْضَرُونَ
[ الروم : 14 - 16 ] . [ 44 - 45 ]

[ سورة الروم ( 30 ) : الآيات 44 إلى 45 ]

مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ ( 44 ) لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ ( 45 ) هذه الجملة تتنزل منزلة البيان لإجمال الجملة التي قبلها وهي
فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ
[ الروم : 43 ] ، إذ التثبيت على الدين بعد ذكر ما أصاب المشركين من الفساد بسبب شركهم يتضمن تحقير شأنهم عند الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم والمؤمنين ، فبين ذلك بأنهم لا يضرون بكفرهم إلا أنفسهم ، والذي يكشف هذا المعنى تقديم المسند في قوله
فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ
فإنه يفيد تخصيصه بالمسند إليه ، أي فكفره عليه لا عليك ولا على المؤمنين ، ولهذا ابتدئ بذكر حال من كفر ثم ذكر بعده
مَنْ عَمِلَ صالِحاً
. واقتضى حرف الاستعلاء أن في الكفر تبعة وشدة وضرّا على الكافر ، لأن ( على ) تقتضي ذلك في مثل هذا المقام ، كما اقتضى اللام في قوله
فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ
أن لمجرورها نفعا وغنما ، ومنه قوله تعالى :
لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ
[ البقرة : 286 ] . وقال توبة بن الحمير :
وقد زعمت ليلى بأني فاجر * لنفسي تقاها أو عليها فجورها
وأفرد ضمير
كُفْرُهُ
رعيا للفظ
مَنْ
. وهذا التركيب من جوامع الكلم لدلالته على ما لا يحصى من المضارّ في الكفر على الكافر وأنه لا يضر غيره ، مع تمام الإيجاز ، وهو وعيد لأنه في معنى : من كفر فجزاؤه عقاب اللّه ، فاكتفي عن التصريح بذلك اكتفاء بدلالة ( على ) من قوله
فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ
وبمقابلة حالهم بحال من عمل صالحا بقوله
لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْ فَضْلِهِ
. وأما قوله
وَمَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ
فهو بيان أيضا لما في جملة
فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ
[ الروم : 43 ] من الأمر بملازمة التحلّي بالإسلام وما في ذلك من الخير العاجل والآجل مع ما تقتضيه عادة القرآن من تعقيب النذارة بالبشارة والترهيب
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 69 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور