ذلك قوله
وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
، وقد تقدم ذلك في سورة الحج [ 36 ] ، وتقدم هنالك معنى
لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ
.
[ 47 ]
[ سورة الروم ( 30 ) : آية 47 ]
وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلاً إِلى قَوْمِهِمْ فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَانْتَقَمْنا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ( 47 )
هذه جملة معترضة مستطردة أثارها ذكر سير الفلك في عداد النعم فعقب ذلك بما كان سير الفلك فيه تذكير بنقمة الطوفان لقوم نوح ، وبجعل اللّه الفلك لنجاة نوح وصالحي قومه من نقمة الطوفان ، فأريد تحذير المكذبين من قريش أن يصيبهم ما أصاب المكذبين قبلهم ، وكان في تلك النقمة نصر المؤمنين ، أي نصر الرسل وأتباعهم ؛ ألا ترى إلى حكاية قول نوح :
رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ
في سورة المؤمنين [ 26 ] ، وقوله تعالى هنا :
وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ
والواو اعتراضية وليست للعطف .
والانتقام : افتعال من النّقم وهو الكراهية والغضب ، وفعله كضرب وعلم قال تعالى
وَما تَنْقِمُ مِنَّا
[ الأعراف : 126 ] . وفي المثل : مثله كمثل الأرقم إن يقتل ينقم - بفتح القاف - وإن يترك يلقم . والانتقام : العقوبة لمن يفعل ما لا يرضي كأنه صيغ منه الافتعال للدلالة على حصول أثر النقم ، وقد تقدم عند قوله تعالى :
وَما تَنْقِمُ مِنَّا
وقوله
فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ
في سورة الأعراف [ 136 ] .
وكلمة
حَقًّا عَلَيْنا
من صيغ الالتزام ، قال تعالى حكاية عن موسى عليه السلام :
حَقِيقٌ عَلى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ
[ الأعراف : 105 ] ، وهو محقوق بكذا ، أي : لازم له ، قال الأعشى :
لمحقوقة أن تستجيبي لصوته فإن وعد الصادق حق . قال تعالى :
وَعْداً عَلَيْنا إِنَّا كُنَّا فاعِلِينَ
[ الأنبياء : 104 ] . وقد اختصر طريق الإفصاح عن هذا الغرض أعني غرض الوعد بالنصر والوعيد له فأدرج تحت ذكر النصر معنى الانتصار ، وأدرج ذكر الفريقين : فريق المصدقين الموعود ، وفريق المكذبين المتوعّد ، وقد أخلي الكلام أولا عن ذكرهما .
وعن أبي بكر شعبة راوي عاصم أنه كان يقف على قوله
حَقًّا
فيكون في
كانَ
ضمير يعود على الانتقام ، أي وكان الانتقام من المجرمين حقا ، أي : عدلا ، ثم يستأنف بقوله
عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ
وكأنه أراد التخلص من إيهام أن يكون للعباد حق على اللّه