وعلى هذا الوجه يكون محمل الباء ومحمل اللام مثل محملهما على الوجه الرابع . وأطلق الظهور على حدوث حادث لم يكن ، فشبه ذلك الحدوث بعد العدم بظهور الشيء الذي كان مختفيا .
ومحمل صيغة فعل
ظَهَرَ
على حقيقتها من المضي يقتضي أن الفساد حصل وأنه ليس بمستقبل ، فيكون إشارة إلى فساد مشاهد أو محقق الوقوع بالأخبار المتواترة . وقد تحمل صيغة الماضي على معنى توقع حصول الفساد والإنذار به فكأنه قد وقع على طريقة
أَتى أَمْرُ اللَّهِ
[ النحل : 1 ] . وأيّا ما كان الفساد من معهود أو شامل ، فالمقصود أن حلوله بالناس بقدرة اللّه كما دل عليه قوله
لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا
، وأن اللّه يقدر أسبابه تقديرا خاصا ليجازي من يغضب عليهم على سوء أفعالهم . وهو المراد بما كسبت أيديهم لأن إسناد الكسب إلى الأيدي جرى مجرى المثل في فعل الشر والسوء من الأعمال كلها ، دون خصوص ما يعمل منها بالأيدي لأن ما يكسبه الناس يكون بالجوارح الظاهرة كلها ، وبالحواس الباطنة من العقائد الضالة والأدواء النفسية .
و
بِما
موصولة ، وحذف العائد من الصلة ، وتقديره : بما كسبته أيدي الناس ، أي بسبب أعمالهم . وأعظم ما كسبته أيدي الناس من الأعمال السيئة الإشراك وهو المقصود هنا وإن كان الحكم عاما . ويعلم أن مراتب ظهور الفساد حاصلة على مقادير ما كسبت أيدي الناس ،
قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وسئل : أي الذنب أعظم ؟ « أن تدعو للّه ندّا وهو خلقك » ،
وقال تعالى :
وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ
[ الشورى : 30 ] وقال :
وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً
[ الجن : 16 ] .
ويجري حكم تعريف
النَّاسِ
على نحو ما يجري في تعريف
الْفَسادُ
من عهد أو عموم ، فالمعهود هم المشركون وقد شاع في القرآن تغليب اسم
النَّاسِ
عليهم .
والإذاقة : استعارة مكنية ؛ شبه ما يصيبهم من الآلام فيحسون بها بإصابة الطعام حاسة المطعم . ولما كان ما عملوه لا يصيبهم بعينه تعين أن بعض الذي عملوا أطلق على جزاء العمل ولذلك فالبعضية تبعيض للجزاء ، فالمراد بعض الجزاء على جميع العمل لا الجزاء على بعض العمل ، أي أن ما يذيقهم من العذاب هو بعض ما يستحقونه . وفي هذا تهديد إن لم يقلعوا عن مساوئ أعمالهم كقوله تعالى :
وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ
[ فاطر : 45 ] ، ثم وراء ذلك عذاب الآخرة كما قال تعالى :
وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقى
[ طه : 127 ] .