تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 209

مساهمون:

ص٢٠٩
يَسْتَأْذِنُ
إيماء إلى أنه لم يأذن لهم وستعلم ذلك ، ومنازل بني حارثة كانت في أقصى المدينة قرب منازل بني سلمة فإنهما كانا حيين متلازمين قال تعالى :
إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا
[ آل عمران : 122 ] هما بنو حارثة وبنو سلمة في غزوة أحد . وفي الحديث : أن بني سلمة راموا أن ينقلوا منازلهم قرب المسجد فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « يا بني سلمة ألا تحتسبون آثاركم » أي خطاكم . فهذا الفريق منهم يعتلّون بأن منازلهم بعيدة عن المدينة وآطامها . والتأكيد بحرف
إِنَّ
في قولهم
إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ
تمويه لإظهار قولهم
بُيُوتَنا عَوْرَةٌ
في صورة الصدق . ولما علموا أنهم كاذبون وأن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يعلم كذبهم جعلوا تكذيبه إياهم في صورة أنه يشك في صدقهم فأكدوا الخبر . وجملة
وَما هِيَ بِعَوْرَةٍ
إلى قوله
مَسْؤُلًا
[ الأحزاب : 15 ] معترضة بين جملة
يَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ
إلخ وجملة
لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرارُ
[ الأحزاب : 16 ] . فقوله :
وَما هِيَ بِعَوْرَةٍ
تكذيب لهم فإن المدينة كانت محصنة يومئذ بخندق وكان جيش المسلمين حارسها . ولم يقرن هذا التكذيب بمؤكد لإظهار أن كذبهم واضح غير محتاج إلى تأكيد . [ 14 ]

[ سورة الأحزاب ( 33 ) : آية 14 ]

وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطارِها ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْها وَما تَلَبَّثُوا بِها إِلاَّ يَسِيراً ( 14 ) موقع هذه الآية زيادة تقرير لمضمون جملة
وَما هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِراراً
[ الأحزاب : 13 ] فإنها لتكذيبهم في إظهارهم التخوف على بيوتهم ، ومرادهم خذل المسلمين . ولم أجد فيما رأيت من كلام المفسرين ولا من أهل اللغة من أفصح عن معنى ( الدخول ) في مثل هذه الآية وما ذكروا إلّا معنى الولوج إلى المكان مثل ولوج البيوت أو المدن ، وهو الحقيقة . والذي أراه أن الدخول كثر إطلاقه على دخول خاص وهو اقتحام الجيش أو المغيرين أرضا أو بلدا لغزو أهله ، قال تعالى :
وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً
إلى قوله :
يا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ
[ المائدة : 21 ] ، وأنه يعدّى غالبا إلى المغزوّين بحرف على . ومنه قوله تعالى :
قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبابَ فَإِذا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غالِبُونَ
إلى قوله :
قالُوا يا مُوسى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَها أَبَداً ما دامُوا فِيها فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا
[ المائدة : 24 ] فإنه ما يصلح إلا معنى دخول القتال والحرب لقوله :
فَإِذا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غالِبُونَ
لظهور أنه لا يراد : إذا دخلتم دخول ضيافة أو تجول أو تجسس ، فيفهم من الدخول في مثل هذا المقام معنى الغزو والفتح كما