تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 212

مساهمون:

ص٢١٢
وزيادة
مِنْ قَبْلُ
للإشارة إلى أن ذلك العهد قديم مستقر وهو عهد يوم أحد . وجملة
لا يُوَلُّونَ الْأَدْبارَ
بيان لجملة
عاهَدُوا
. والتولية : التوجه بالشيء وهي مشتقة من الولي وهو القرب ، قال تعالى :
فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ
[ البقرة : 144 ] . و
الْأَدْبارَ
: الظهور . وتولية الأدبار : كناية عن الفرار فإن الذي استأذنوا لأجله في غزوة الخندق أرادوا منه الفرار ألا ترى قوله
إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِراراً
[ الأحزاب : 13 ] ، والفرار مما عاهدوا اللّه على تركه . وجملة
وَكانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْؤُلًا
تذييل لجملة
وَلَقَدْ كانُوا عاهَدُوا
إلخ . . . والمراد بعهد اللّه : كل عهد يوثقه الإنسان مع ربه . والمسؤول : كناية عن المحاسب عليه كقول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « وكلكم مسؤول عن رعيته » ، وكما تقدم آنفا عند قوله تعالى :
لِيَسْئَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ
[ الأحزاب : 8 ] وهذا تهديد . [ 16 ]

[ سورة الأحزاب ( 33 ) : آية 16 ]

قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذاً لا تُمَتَّعُونَ إِلاَّ قَلِيلاً ( 16 ) جواب عن قولهم
إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ
[ الأحزاب : 13 ] ولذلك فصّلت لأنها جرت على أسلوب التقاول والتجاوب ، وما بين الجملتين من قوله
وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ
إلى قوله
مَسْؤُلًا
[ الأحزاب : 14 - 15 ] اعتراض كما تقدم . وهذا يرجح أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لم يأذن لهم بالرجوع إلى المدينة وأنه ردّ عليهم بما أمره اللّه أن يقوله لهم ، أي : قد علم اللّه أنكم ما أردتم إلا الفرار جبنا والفرار لا يدفع عنكم الموت أو القتل ، فمعنى نفي نفعه : نفي ما يقصد منه لأن نفع الشيء هو أن يحصل منه ما يقصد له . فقوله
مِنَ الْمَوْتِ
يتعلق ب
الْفِرارُ
و
فَرَرْتُمْ
وليس متعلقا ب
يَنْفَعَكُمُ
لأن متعلق
يَنْفَعَكُمُ
غير مذكور لظهوره من السياق ، فالفائدة مستغنية عن المتعلق ، أي : لن ينفعكم بالنجاة . ومعنى نفي نفع الفرار وإن كان فيه تعاطي سبب النجاة ، هذا السبب غير مأذون فيه لوجوب الثبات في وجه العدوّ مع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فيتمحض في هذا الفرار مراعاة جانب الحقيقة وهو ما قدر للإنسان من اللّه إذ لا معارض له ، فلو كان الفرار مأذونا فيه لجاز